الحزب ينام على وهم التسوية!

الحزب يتصرّف على أساس أنّه جزء من صفقة كبرى، فيما هو عمليًّا خارج أي نقاش جدّي حول التسويات. المجتمع الدولي لا يراه شريكًا، بل ذراعًا. والدول الإقليمية تتعامل معه كملفٍ أمنيٍّ، لا كطرفٍ سياسيٍّ. وبين هذا وذاك، تضيق المساحة التي يمكن أن يتحرّك فيها.
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
ليس أخطر على أي قوة سياسية من أن تقاتل على أساس وعدٍ لم يعد قائمًا. هذا تمامًا ما يفعله حزب الله اليوم. يُقاتل، يُناور، ويرفع سقوفه، على قاعدة أنّ هناك تسوية ستأتي، وأنّه سيكون شريكًا فيها، بل أحد صانعيها. لكن الحقيقة القاسية أن هذا الوعد تبخّر، أو في أفضل الأحوال، تأجّل إلى أجلٍ غير مسمّى.
عندما قررت إيران إدخال الحزب في هذه الحرب، لم تفعل ذلك حبًّا بلبنان ولا دفاعًا عنه، بل بوصفه ورقة ضمن لعبة أمم أكبر. يومها قيل للحزب: اصمد، تقدّم، وكُن رأس الحربة، وستكون على الطاولة حين تُرسم الخرائط. هذه السرديّة تحوّلت إلى عقيدة. لكنّ المشكلة أنّ الخرائط نفسها تغيّرت، واللّاعب الذي وعد لم يعد يملك القدرة على الوفاء.
إيران اليوم بالكاد تُدير معركتها الخاصة. نظامها تحت ضغطٍ غير مسبوقٍ، سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا. وفي لحظةٍ كهذه، الأولويّات تنقلب: إنقاذ الداخل قبل تثبيت النفوذ في الخارج. هنا يسقط أول ركن من أركان وهم التسوية. فالدولة التي وعدت، لم تعد قادرةً إلّا على الدفاع عن نفسها، هذا إذا استطاعت.
أمّا حزب الله، فيبدو كمَن لم تصله الرسالة بعد. يتصرّف على أساس أنّه جزء من صفقة كبرى، فيما هو عمليًّا خارج أي نقاش جدّي حول التسويات. المجتمع الدولي لا يراه شريكًا، بل ذراعًا. والدول الإقليمية تتعامل معه كملفٍ أمنيٍّ، لا كطرفٍ سياسيٍّ. وبين هذا وذاك، تضيق المساحة التي يمكن أن يتحرّك فيها.
المفارقة أن الحزب الذي دخل الحرب ليكرّس نفوذه، قد يخرج منها أضعف ممّا كان. ليس لأنه هُزم عسكريًا بالضرورة، بل لأنّه خسر موقعه السياسي. فالتسويات لا تُبنى على الأوهام، بل على موازين قوى حقيقية. وهذه الموازين تغيّرت، ومن لم يقرأ التحوّل، يدفع الثمن.
لبنان هنا ليس تفصيلًا. هو الساحة التي تُستعمل مرةً جديدةً، وهو البلد الذي يُدفع إلى حافة الانهيار الكامل. وفيما ينام الحزب على وهم أنه سيكون لاعبًا على الطاولة، يقترب الواقع من فرض معادلةٍ مختلفةٍ تمامًا: لا طاولة، ولا دور، بل مرحلة إعادة ترتيب قاسية قد تبدأ بإسقاط كل الرّهانات الخاطئة.
المشكلة ليست في الخطأ فقط، بل في الإصرار عليه. وفي السياسة، الإصرار على الوهم ليس مجرّد خطأ… بل مخاطرة مفتوحة على خسارة كبرى.
مواضيع مماثلة للكاتب:
بوديّة الذي لم يشذّ عن أخلاق الممانعة! | الحرب في لبنان لم تبدأ بعد! | هل اقتربت نهاية آيات الله؟ |




