الإيجار الشفهي في زمن الحرب: مخاطرة على المدنيين ومسؤولية قانونية غائبة!


خاص 8 نيسان, 2026

حين يكون وجود أي شخص داخل مبنى سكني من شأنه أن يعرّض السكان أو الجوار لخطر مباشر، فإنّ سلامة السكان تصبح الاعتبار الأعلى، وعلى المالك أن يتصرّف بحكمة ومسؤولية، بعيدًا عن أي تهوّر أو استخفاف بحياة الناس.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في ظلّ الحرب المفتوحة التي يعيشها لبنان، واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية المباشرة للمسؤولين والقادة في حزب الله، لم يعد مقبولًا التعاطي مع مسألة سكن هؤلاء داخل الأحياء السكنيّة كشأنٍ عاديٍّ أو تفصيلٍ ثانويٍّ. فوجود الشخصيات الحزبية بين المدنيين يُشكّل خطرًا مباشرًا على السكّان ويعرّضهم لاحتمال الاستهداف في أي لحظة.

وقد شهدت المرحلة الماضية ظاهرةً جديدةً في سوق الإيجارات، تتمثّل في تأجير الشقق بعقودٍ شفهيةٍ وبمبالغ مرتفعةٍ، بدافع تفادي المسؤولية القانونية في حال حصول استهداف. ففي هذه الحالة، لا يتحمّل المؤجّر أي تبعات قانونية أو أضرار قد تلحق بالمبنى أو بالسكان، بينما يُحقق المستأجر مسكنًا سريعًا من دون أي إجراءات رسمية، تاركًا المدنيين في دائرة الخطر.

مع تزايد هذه الظاهرة، يبرز التساؤل حول المسؤولية القانونيّة للمؤجرين: “هل يتحمّل المُؤجّر أي مسؤولية قانونية إذا أجّر شقته أو منزله من دون عقد مكتوب، خاصّةً في ظلّ المخاطر الأمنية الحالية؟.

المحامي شربل شرفان، المستشار القانوني لنقابة المالكين، يقول عبر “هنا لبنان” أنّ “القانون اللّبناني يُجيز الإيجار الشفهي ويعتبره مُنْتِجًا لكامل مفاعيله القانونية، لكنّه يشدّد على أنّ هذا لا يعني التهرّب من تسجيل العقد في البلدية، وهو الإجراء القانوني الذي يضمن الرسوم والضرائب وحماية الدولة والبلدية. ويُشير شرفان إلى أنّ سلامة السكّان فوق أي اعتبار مالي أو قانوني، وأنّه لا يجوز للمؤجّرين استخدام العقد الشفهي كوسيلةٍ لتفادي المسؤولية أو لتحقيق أرباح أعلى على حساب حياة النّاس”.

ويُضيف شرفان أنّ نقابة المالكين لا تشجّع إطلاقًا الإيجارات الاعتباطية أو تلك التي تهدّد سلامة المدنيين، وأنّه يجب على جميع المالكين اعتماد أُسُسٍ قانونية سليمة، وضمان تسجيل العقود لدى البلدية، والتحقّق من طبيعة الإشغال، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية الحالية.

من هنا، تصبح أي علاقة إيجاريّة مسؤوليّة مزدوجة: قانونية وأخلاقية في الوقت نفسه. فحين يكون وجود أي شخص في مبنى سكني من شأنه أن يجعله هدفًا محتملًا، فإنّ سلامة السكان وجيران المبنى أولوية قصوى، ويجب ألّا يكون الربح أو تفادي الإجراءات القانونية مبرّرًا لتعريض المدنيين للخطر.

كما يؤكد شرفان أنّ التعاطي مع ملف الإيجارات في هذه المرحلة يجب أن يتمّ بأقصى درجات المسؤولية، وأن يجمع بين احترام القانون وحماية السلامة العامة، لأنّ الأولوية المُطلقة تبقى لحماية المواطنين وعدم تعريض الأبنية السكنية والأحياء الآهلة لأي خطر محتمل.

ويشير من الناحية القانونية إلى أنّ القانون اللبناني، وتحديدًا قانون الموجبات والعقود، لا يشترط أن يكون عقد الإيجار خطيًّا لكي يكون صحيحًا ومنتجًا لمفاعيله القانونية، إذ يمكن أن يكون عقد الإيجار شفهيًّا أو خطيًّا، طالما أنّ القانون لا يفرض شكلًا محدّدًا لانعقاده. فالقاعدة القانونية واضحة: المنع يحتاج إلى نصّ صريح، وما دام لا يوجد نصّ يمنع الإيجار الشفهي، فإنّ هذا العقد يبقى صحيحًا من حيث المبدأ.

لكن شرفان يوضح في المقابل أنّ صحّة العقد شيء، ووجوب تسجيله في البلدية شيء آخر مختلف تمامًا. فهناك نصوص قانونية نافذة، لا سيما قانون الرسوم والعلاوات البلدية وقانون ضريبة الأملاك المبنية، تُلزم المالك والمستأجر بتسجيل عقد الإيجار لدى البلدية، ليس كإجراء شكلي فحسب، بل كإجراء أساسي يضمن احتساب الرسوم والضرائب بصورة قانونية، ويحفظ حقوق الدولة والبلديات، ويمنع أي شبهة تحايل أو تهرّب من الالتزامات المالية المفروضة قانونًا.

وفي هذا الإطار، يشدّد شرفان على أنّ نقابة المالكين لا تشجّع إطلاقًا على الإيجارات الاعتباطية أو الاستنسابية أو الخارجة عن الأصول القانونية، كما لا تدعو إلى أي ممارسات مُخالفة للقانون أو قائمة على الفوضى أو التمييز العشوائي. بل إنّ موقف النقابة ثابت وواضح: كل علاقة إيجارية يجب أن تقوم على أسس قانونية سليمة، وعقود واضحة، وتسجيل أصولي، واحترام كامل للحقوق والواجبات المتبادلة.

إلا أنّ شرفان يلفت إلى أنّ الظروف الاستثنائية تفرض وعيًا استثنائيًا ومسؤولية مضاعفة، ولا يجوز في ظلّ الأخطار القائمة التعامل مع ملف التأجير بمنطق الربح وحده أو بمنطق التغاضي عن النتائج المحتملة. فحين يكون وجود أي شخص داخل مبنى سكني من شأنه أن يعرّض السكان أو الجوار لخطر مباشر، فإنّ سلامة السكان تصبح الاعتبار الأعلى، وعلى المالك أن يتصرّف بحكمة ومسؤولية، بعيدًا عن أي تهور أو استخفاف بحياة الناس.

ويؤكد شرفان أنّ حماية المدنيين وسكان الأبنية والأحياء السكنية واجب أخلاقي ووطني وقانوني، وأنّ أي سلوك من شأنه إدخال الخطر إلى قلب المناطق السكنية هو سلوك مرفوض، لأنّ حق الناس في الأمان داخل منازلهم يجب أن يبقى فوق كل اعتبار. كما يشدّد على أنّ النقابة تدعو جميع المالكين إلى التشدّد في اعتماد الأصول القانونية في التأجير، والتحقّق من طبيعة الإشغال وهويّة الشاغلين ووجوب إبلاغ البلديات والاجهزة الامنية وعدم تعريض الأبنية وسكانها لأي مخاطر يمكن تفاديها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us