المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة.. ماذا تغير بين 1982 و 2026؟

المقارنة بين مفاوضات 1982 ومفاوضات 2026 تكشف أنّ النجاح لا يعتمد فقط على النوايا، بل على السياق العام: ميزان القوى، الشرعية الداخلية، والدور الإقليمي والدولي. إذا كانت مفاوضات 1982 قد فشلت لأنها وُلدت في ظل الاحتلال والانقسام، فإنّ مفاوضات اليوم تملك فرصة أفضل لأنها تقوم على إدارة واقعية للنزاع
كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:
شهدت العلاقات اللبنانية–الإسرائيلية عبر العقود محطات تفاوضية نادرة ومعقدة، أبرزها ما جرى عقب حرب لبنان 1982، وما يُطرح اليوم في سياق مفاوضات عام 2026. وبين التجربتين مسافة زمنية طويلة، لكن المقارنة بينهما تكشف تحولات عميقة في موازين القوى المحلية والعربية والإقليمية، فهل يمكن أن تنجح مفاوضات اليوم حيث فشلت مفاوضات 1982؟ ولماذا؟
جاءت مفاوضات 1982 في ظل واقع استثنائي: اجتياح عسكري إسرائيلي واسع للبنان، وصولاً إلى بيروت، وانقسام داخلي حاد في لبنان بسبب الحرب، في هذا السياق، وُقّع اتفاق 17 أيار 1983 برعاية أميركية، وكان يهدف إلى إنهاء الحرب وتنظيم انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان مقابل ترتيبات أمنية.
لكن هذا الاتفاق فشل سريعاً، وسقط رسمياً عام 1984. ويمكن تلخيص أسباب الفشل في عدة عوامل:
غياب الإجماع اللبناني الداخلي: لم يحظَ الاتفاق بدعم لبناني شامل، إذ رفضته قوى سياسية رئيسية، خاصة تلك المتحالفة مع سوريا.
الدور السوري الحاسم: كانت سوريا لاعباً أساسياً في لبنان، واعتبرت الاتفاق تهديداً لنفوذها، فعملت على إفشاله.
الضغط العسكري والأمني: استمرت العمليات العسكرية ضد الوجود الإسرائيلي.
طبيعة الاتفاق نفسها: اعتُبر الاتفاق أقرب إلى “فرض” نتيجة اختلال ميزان القوى، وليس ثمرة تفاوض متكافئ.
في المقابل، تأتي مفاوضات 2026 ضمن سياق مختلف جذرياً. فهي لا تدور حول معاهدة سلام شاملة حتى الآن، بل تتركز غالباً على قضايا محددة مثل ترسيم الحدود، التهدئة الأمنية، وربما ترتيبات غير مباشرة برعاية دولية، كما حصل سابقاً في اتفاق ترسيم الحدود البحرية 2022.
لم تعد إسرائيل تحتل الأراضي اللبنانية كما في 1982، بل انسحبت عام 2000، وأصبح هناك توازن ردع قائم، خاصة مع وجود قوة عسكرية غير رسمية مؤثرة في لبنان.
دور الوسطاء الدوليين: تلعب الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى دور الوسيط، وليس فقط الراعي المنحاز.
تركيز على الملفات التقنية: مثل الحدود البحرية والبرية، وموارد الطاقة، بدلاً من اتفاقات سياسية شاملة.
في هذا السياق، شهدت المنطقة تحولات كبيرة، من اتفاقات تطبيع عربية إسرائيلية إلى صراعات إقليمية جديدة.
أوجه التشابه بين التجربتين
رغم الفوارق، هناك بعض أوجه التشابه:
الحضور الأميركي كوسيط أو راعٍ أساسي.
الهشاشة الداخلية اللبنانية التي تؤثر على أي قرار استراتيجي.
الارتباط بالعوامل الإقليمية، حيث لا يمكن فصل المسار اللبناني عن صراعات أوسع.
لكن هذه التشابهات لا تلغي الاختلافات الجوهرية التي قد تحدد مصير مفاوضات اليوم.
في 1982، كان ميزان القوى مختلاً بشكل كبير لصالح إسرائيل، ما جعل الاتفاق يبدو مفروضاً. أما اليوم، فهناك نوع من التوازن غير المتكافئ لكنه فعّال، يقوم على الردع المتبادل، ما يجعل أي تفاوض أقرب إلى “إدارة نزاع” بدل فرض شروط.
في الثمانينيات، كانت الدولة اللبنانية شبه منهارة، أما اليوم، فرغم الأزمات الاقتصادية والسياسية، لا تزال هناك مؤسسات قائمة، وحد أدنى من الشرعية الدولية.
اتفاق 17 أيار كان سياسياً أمنياً شاملاً، بينما مفاوضات اليوم غالباً جزئية وتقنية. هذا النوع من الاتفاقات يكون عادة أكثر قابلية للنجاح لأنه يتجنب القضايا السيادية الكبرى.
هل يمكن أن تنجح مفاوضات 2026؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تميل إلى “نجاح نسبي” وليس “نجاح شامل”. أي أن فرص التوصل إلى اتفاقات محدودة، مثل ترسيم حدود أو تهدئة، أعلى بكثير من فرص توقيع معاهدة سلام كاملة.
هناك عوامل تدعم النجاح، ومن أبرزها:
البراغماتية المتزايدة، فالأطراف باتت أكثر ميلاً لحلول عملية، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية.
الحاجة إلى الاستقرار، فلبنان يعاني من أزمة اقتصادية حادة، وإسرائيل تسعى لتجنب جبهة مفتوحة.
الدور الدولي الفاعل، وجود وسطاء قادرين على تقديم ضمانات.
أما العوامل التي تعيق النجاح فهي:
الانقسام الداخلي اللبناني الذي لا يزال عائقاً أساسياً أمام أي قرار استراتيجي.
الترابط مع الصراعات الإقليمية، أي تصعيد في المنطقة قد ينسف المفاوضات.
غياب الثقة العميق نتيجة تاريخ طويل من الصراع والحروب.
لماذا فشلت 1982 وقد تنجح 2026 جزئياً؟
يمكن تلخيص الفارق الأساسي في نقطة واحدة: الشرعية والتوازن.
في 1982، كان الاتفاق يفتقر إلى الشرعية الداخلية والتوازن في القوة.
في 2026، أي اتفاق محتمل، لو كان محدوداً، سيكون قائماً على قدر من التوازن، وعلى مصالح متبادلة واضحة، وليس على فرض الأمر الواقع.
كما أن التجربة التاريخية نفسها لعبت دوراً، فشل اتفاق 17 أيار جعل الأطراف أكثر حذراً اليوم من الذهاب إلى اتفاقات كبرى غير قابلة للتطبيق.
المقارنة بين مفاوضات 1982 ومفاوضات 2026 تكشف أنّ النجاح لا يعتمد فقط على النوايا، بل على السياق العام: ميزان القوى، الشرعية الداخلية، والدور الإقليمي والدولي. إذا كانت مفاوضات 1982 قد فشلت لأنها وُلدت في ظل الاحتلال والانقسام، فإنّ مفاوضات اليوم تملك فرصة أفضل لأنها تقوم على إدارة واقعية للنزاع.
مواضيع مماثلة للكاتب:
حرب الإسناد الثانية… الشهر الثاني والأخير | “تلازم الهزيمتَيْن” بين الضاحية وطهران! | مُثلّث “غزّة – بيروت – طهران”: نهاية حقبة |




