تصعيد محتمل بين واشنطن وطهران بعد فشل مفاوضات إسلام آباد

تواجه إيران مرحلةً متزايدةً من العزلة، مع اتجاه دول كانت متردّدة إلى تبنّي مواقف أكثر تشدّدًا تجاهها، والاقتراب من الرؤية الأميركية في كيفية التعامل مع الملف الإيراني.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
اختُتمت مفاوضات إسلام آباد من دون التوصل إلى أي اتفاق، وسط أجواء من خيبة الأمل وانعدام التفاهم بين الأطراف المعنية، في مشهدٍ عكس عمق الأزمة وتعقيداتها المتزايدة. وفي المقابل، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إعلان انتصار الولايات المتحدة، مؤكّدًا أنّ موقف بلاده خرج أكثر قوةً وحسمًا بعد فشل المفاوضات، في وقتٍ بدأت فيه القيادة المركزية الأميركية تهيئة الظروف لإزالة الألغام من مضيق هرمز، في خطوةٍ وُصفت بأنّها تحمل دلالات ميدانية على تصاعد التوتّر. من جهته، نفى الحرس الثوري الإيراني بشكل قاطع ما تمّ تداوله حول عبور مدمّرات في المنطقة، في تأكيد إضافي على استمرار حالة الشكوك والتصعيد الإعلامي والسياسي بين الطرفين.
هذا المشهد المُتسارع يعكس أكثر من مجرّد تعثّر دبلوماسي، بل يشير إلى انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر حساسيّة، تتداخل فيها الرسائل السياسية مع الاستعدادات الميدانية، في ظلّ استمرار الخلافات الجوهرية حول ملفّات استراتيجية شديدة الحساسية، وعلى رأسها مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
وفي ظلّ هذا التطوّر المُتسارع في مسار المفاوضات وتداعياته الإقليمية، تتعدّد القراءات والتحليلات السياسية التي تحاول تفكيك أبعاد ما جرى، حيث يقدّم كلّ من المحلّلَيْن السياسيَّيْن مروان الأمين وإيلي بدران مقاربتَيْن تعكسان حجم التعقيد الذي يطبع هذا الملف وتشابك أبعاده الإقليمية والدولية.
يقول المحلّل السياسي مروان الأمين لـ “هنا لبنان” أنّ فشل المفاوضات الأميركية – الإيرانية لم يكن مفاجئًا، بل جاء نتيجة مباشرة لتمسّك طهران بمواقف متشدّدة حيال ملفّي مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم، وهما ملفان تُصنّفهما واشنطن ضمن أولويّات الأمن الدولي ولا يمكن التهاون فيهما.
ويشير الأمين إلى أنّ الإدارة الأميركية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، أظهرت جديةً واضحةً في السعي إلى حلٍّ دبلوماسيٍّ، واضعةً خيار التفاوض على الطاولة بهدف تجنّب التصعيد العسكري. إلّا أنّ التعنّت الإيراني، ورفض تقديم أي ضمانات حقيقيّة في هذَيْن الملفَّيْن، أدّيا إلى إفشال المسار التفاوضي.
كما يؤكّد أنّ فشل المفاوضات يعود إلى البرنامج النووي، لا سيّما أنّ إيران ترفض أن تعطي الولايات المتحدة في المفاوضات في هذَيْن الملفَّيْن ما لم تتمكّن من الحصول عليه من خلال الحرب.
ويرى الأمين أنّ ترامب خرج من هذه المواجهة السياسية بموقع أكثر قوة، سواء على المستوى الدولي، حيث نجح في إعادة توحيد المواقف حول خطورة السلوك الإيراني، أو على المستوى الداخلي، حيث عزّز صورته كقائد حازم يدافع عن المصالح الأميركية.
في المقابل، يتوقع الأمين أن تواجه إيران مرحلةً متزايدةً من العزلة، مع اتجاه دول كانت متردّدة إلى تبنّي مواقف أكثر تشدّدًا تجاهها، والاقتراب من الرؤية الأميركية في كيفية التعامل مع الملف الإيراني.
وعن الخيارات المقبلة، يلفت إلى أنّ طرح فرض حصار بحري على إيران يندرج ضمن سياسة الضغط التي تعتمدها واشنطن، بهدف دفع طهران إلى إعادة النظر في حساباتها. ولا يستبعد، في حال استمرار الرفض الإيراني، أن تعود الخيارات العسكرية إلى الواجهة.
أمّا على صعيد لبنان، فيحذّر الأمين من أن أيّ تشدّد إيراني قد ينعكس تصعيدًا في الساحة اللبنانية، والتي يبدو مرشحًا للتصاعد في المرحلة المقبلة.
ويختم بالتأكيد أنّ المسار الحالي يضع إيران أمام خيارَيْن: إمّا الانخراط الجدي في تسوية تُراعي القواعد الدولية، أو مواجهة المزيد من الضغوط والعزلة، في ظلّ تصميم أميركي واضح على عدم التراجع.
من جهته، يعتبر المحلّل السياسي إيلي بدران أنّ فشل المفاوضات يُشكّل محطةً مفصليةً تعكس عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها لبنان في إدارة ملفاته السيادية.
ويشير بدران إلى أنّ التعثر لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات من الانقسامات الداخلية وغياب رؤية موحّدة لدى القوى السياسية، ما أفقد الموقف اللبناني زخمه التفاوضي وأضعف قدرته على تحقيق نتائج ملموسة. فالمفاوضات، التي عُوّل عليها كمدخلٍ لتخفيف التوتّر وفتح نافذة نحو الاستقرار، اصطدمت بتباين الأولويّات وتضارب الحسابات بين الأطراف المعنية.
ويضيف أنّ هذا الفشل يُعيد طرح تساؤلات جدية حول جدوى النهج المعتمد، في ظلّ غياب استراتيجية وطنية واضحة تحدّد الأهداف وتضبط مسار التفاوض بما يخدم المصلحة اللبنانية العليا. كما يعكس، بحسب بدران، أزمة ثقة عميقة بين الداخل والخارج، ويؤكد أن أي مسار تفاوضي لا يستند إلى إجماع داخلي صلب سيبقى عرضةً للانهيار عند أول اختبار.
ويخلص بدران إلى أنّ المرحلة المقبلة تتطلّب مراجعة شاملة للمقاربة السياسية، وإعادة بناء موقف وطني موحد، باعتبار أن استمرار التعثّر لن يؤدّي إلّا إلى المزيد من التعقيد، ويُبقي لبنان في دائرة الجمود بدل الانتقال إلى مسار الحلول.




