13 نيسان: لبنان بين ذاكرة البوسطة ومخاض السلام!

بعد واحد وخمسين عاماً، التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج شروطه. وفي 13 نيسان 2026، لا يُستحضر الماضي للبكاء عليه، بل للتحذير. فالحروب في لبنان لا تبدأ بقرار، بل بانفلات القرار. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تعلّم اللبنانيون من بوسطة 1975، أم أنهم يعبّدون الطريق أمام بوسطة جديدة؟
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
لم تكن بوسطة عين الرمانة سوى الشرارة التي كشفت انهيار الدولة اللبنانية في 13 نيسان 1975، لا سبب الحرب بحد ذاته. خلال ساعات، تحوّل حادث أمني محدود إلى انفجار شامل، لأنّ المتاريس التي راكمها السلاح الفلسطيني، المترافق مع انقسام سياسي حاد بين اللاعبين الإقليميين وأدواتهم في الداخل، كانت قد أسست لبنية قابلة للاشتعال. لم تكن البوسطة بداية الحرب، بل لحظة سقوط الهيكل الذي كان يترنّح منذ سنوات.
ذلك الانهيار لم يكن وليد يومه. فمنذ اتفاق القاهرة عام 1969، دخل لبنان في مرحلة ازدواجية السلطة، مع منح منظمة التحرير الفلسطينية حق العمل العسكري انطلاقاً من أراضيه. تدريجياً، فقدت الدولة احتكارها لقرار الحرب والسلم، وتحول الجنوب إلى منصة مواجهة مع إسرائيل، فيما انقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض. ومع غياب مرجعية حاسمة، كان الانفجار حتمياً.
بعد واحد وخمسين عاماً، يعود 13 نيسان لا كذكرى، بل كتحذير. فالشروط البنيوية نفسها تكاد تتكرر، مع فارق أساسي: “الفلسطيني” الذي أمسك بقرار المواجهة آنذاك، استُبدل اليوم بـ”حزب الله”، كجزء من منظومة إقليمية تديرها إيران. مرة جديدة، يحاول “حزب الله” ربط قرار لبنان بحسابات الحرس الثوري في إيران.
هذا التحول يضع لبنان في قلب إعادة تشكيل النفوذ في المنطقة. فإيران، التي تخوض مفاوضات معقدة مع الولايات المتحدة من دون حسم ملفاتها الكبرى، تعيد تعزيز أوراقها عبر أذرعها الإقليمية. وفي هذا السياق، يتحوّل “حزب الله” أداة ضغط متقدمة، ويُستخدم لبنان ورقة تفاوض غير مباشرة بيد إيران، خلافاً لمحاولة الحكومة تثبيت قرار لبنان ومكانته كدولة صاحبة قرار.
في المقابل، ترى إسرائيل أنّ استمرار وجود ميليشيا مسلحة على حدودها يعني تهديداً دائماً، بغض النظر عن أي تفاهمات. لذلك تسعى إلى تفكيك هذه الحلقة، ما يجعل الساحة اللبنانية مرشحة لأن تكون مسرح مواجهة مرتبطاً بالتوازنات الإقليمية، لا مجرد نزاع بين دول الجوار.
بين هذين المسارين، يبدو أنّ لبنان لم يخرج فعلياً من معادلة 1975، بل أعاد إنتاجها بصيغة مختلفة: سلاح خارج الدولة، انقسام داخلي، وارتهان قسم كبير من المكوّن الشيعي لإيران. وهو ما يجعل أي حادث، مهما بدا محدوداً، قابلاً للتحول إلى “بوسطة” جديدة.
في موازاة ذلك، يظهر المسار التفاوضي كخيار وحيد لتفادي الانفجار. فمنذ اتفاق الهدنة عام 1949، اعتمد لبنان نمط التفاوض غير المباشر برعاية دولية. هذا المسار مرّ بمحطات أساسية: تفاهم نيسان 1996، القرار 1701 بعد حرب 2006، وصولاً إلى ترسيم الحدود البحرية عام 2022، الذي أثبت أنّ التفاوض مع إسرائيل ممكن حين تتوفر مصلحة مشتركة وإرادة دولية.
الاستثناء الوحيد كان اتفاق 17 أيار 1983، أول محاولة تفاوض مباشر، والذي سقط نتيجة رفض داخلي تماهياً مع إملاءات الرئيس السوري حينها حافظ الأسد، وضغط إقليمي في ظل الحرب الباردة. أما اليوم، فقد تبدلت المعادلات، في ظل مناخ أكثر انفتاحاً على التسويات، ما يرفع فرص نجاح أي مسار تفاوضي جديد.
وفي هذا السياق، يدخل لبنان خلال الساعات المقبلة اختباراً مفصلياً مع انطلاق أولى مسارات التفاوض المباشر مع إسرائيل. قد تبدأ بملفات تقنية وأمنية، لكنها في جوهرها تتجاوز التفاصيل إلى سؤال جوهري عن حتمية استعادة الدولة قرارها؟
هنا تكمن العقدة. فنجاح التفاوض لا يرتبط فقط بالظروف الخارجية، بل أولاً بقدرة الدولة على فرض نفسها مرجعية وحيدة قادرة على الإلتزام وتنفيذ مندرجات أي إتفاق. أي أنّ المعركة الحقيقية التي تسبق التفاوض مع إسرائيل، تتجلى بقدرة الحكومة على تنفيذ قراراتها الرامية إلى حصرية السلاح، تطبيق الدستور، وتنفيذ القرارات الدولية التي تنص على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
في المقابل، جاهر “حزب الله” بمطالبه الرامية إلى تعطيل هذا المسار التفاوضي عبر تصويره كاستسلام؛ محاولاً إبقاء لبنان رهينة وورقة تفاوض بيد إيران. وكأنه يحاول دفع لبنان مجدداً إلى استنباط “بوسطة” جديدة، قد لا تقل كلفتها عن بوسطة 1975.
ورغم هلوسات ما تبقى من قيادة “حزب الله”، يبرز تحول لافت بين القوى السياسية اللبنانية. فبعد سنوات من الانهيار والحروب التي تسبب بها “الحزب”، لم يعد مطلب وقف الحرب مطلباً سياسياً فقط، بل بدأ يتحول إلى مطلب وطني وشعبي. وهذا التحول، إذا ما تُرجم دعماً فعلياً للدولة، يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لتفادي مخططات إيران الجهنميّة.
الأمر الذي يتطلب اليوم، نقل التفاوض من خيار حكومي إلى خيار وطني جامع، يوفّر الغطاء السياسي والشعبي للدولة، ويمنحها القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية. فالتفاوض ليس تنازلاً، بل وسيلة لحماية لبنان وإخراجه من دائرة الحروب المفتوحة.
بعد واحد وخمسين عاماً، التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج شروطه. وفي 13 نيسان 2026، لا يُستحضر الماضي للبكاء عليه، بل للتحذير. فالحروب في لبنان لا تبدأ بقرار، بل بانفلات القرار. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تعلّم اللبنانيون من بوسطة 1975، أم أنهم يعبدون الطريق أمام بوسطة جديدة؟
مواضيع مماثلة للكاتب:
قيامة لبنان تبدأ بقيامة الدولة! | بين مأساة 1982 ومهزلة 2026: هل تُبحر “الميليشيا” كما أبحرت “المنظمة”؟! | لبنان بين هدنة 1949 ونيران 2026… حنينٌ إلى الرّدع المفقود! |




