الحلال الإيراني والحرام اللبناني

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات المزدوجة، بل إلى صدق في المعايير. فإذا كان التفاوض خيانة، فليكن كذلك في كل الساحات، وإذا كان خياراً سيادياً، فلا يجوز احتكاره خارجياً وتحريمه داخلياً. أما الاستمرار في هذا النهج، فهو إمعان في تقويض ما تبقى من فكرة الدولة، وتكريس لواقع يُدار فيه القرار اللبناني من خارج حدوده، مهما حاول البعض تغليفه بشعارات جوفاء
كتب أسعد بشارة لـ”هنا لبنان”:
رفض نعيم قاسم لأي مسار تفاوضي لبناني مباشر، بالتوازي مع تبرير انخراط إيران في مفاوضات مفتوحة مع الولايات المتحدة، ليس مجرد مفارقة سياسية، بل هو نموذج صارخ لازدواجية فاقعة تكاد ترقى إلى مستوى الاستخفاف بالعقول. فالرجل الذي يوزّع صكوك الوطنية على الآخرين، يسقط عند أول اختبار في فخ التناقض الذي لا يمكن تجميله أو تبريره.
في السياسة، قد تختلف القراءات، لكن ما يطرحه قاسم يتجاوز الاختلاف إلى حالة إنكار للواقع. يرفض التفاوض هنا لأنه “محرّم”، ويباركه هناك لأنه “ضرورة”، وكأنّ السيادة تُفصّل على قياس الجغرافيا السياسية لا على أساس المبدأ. هذا ليس موقفاً سياسياً، بل انتقائية فظة تُظهر حجم الارتهان لا حجم الاستقلال.
الأدهى هو استدعاء شعارات “الإجماع” و“الدستور” بوقاحة سياسية لافتة. أيّ إجماع يتحدث عنه، وهو من كان شريكاً أساسياً في جرّ لبنان إلى حرب مدمّرة دون استئذان أحد؟ وأي دستور يُرفع اليوم، بعدما جرى تجاوزه بالأمس حين تقرّر فتح الجبهات وإقفالها بقرار أحادي؟ إنّ هذا الاستخدام الانتهازي للمفاهيم السيادية لا يعكس إلا استسهالاً في تضليل الرأي العام.
ثم يأتي الهجوم على الرئيس جوزاف عون، وكأنه محاولة لصرف الأنظار عن أصل المشكلة. فبدلاً من محاسبة الذات على قرارات كبرى اتُّخذت خارج مؤسسات الدولة، يجري توجيه السهام نحو رأس الدولة لأنه يحاول إعادة الاعتبار لمنطقها. إنها مفارقة تختصر عقلية الانقلاب على الدولة باسم الدفاع عنها.
المشكلة الحقيقية ليست في التصريحات، بل في مصدر القرار. فحين يتماهى الموقف الداخلي بالكامل مع خيارات إيران، إلى حدّ تبنّي خطابها وتبرير مفاوضاتها ورفض أي خيار لبناني مستقل، يصبح الحديث عن السيادة ضرباً من السخرية السوداء. هنا لا يعود الأمر التباساً، بل استتباعاً واضحاً ومكشوفاً.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات المزدوجة، بل إلى صدق في المعايير. فإذا كان التفاوض خيانة، فليكن كذلك في كل الساحات، وإذا كان خياراً سيادياً، فلا يجوز احتكاره خارجياً وتحريمه داخلياً. أما الاستمرار في هذا النهج، فهو إمعان في تقويض ما تبقى من فكرة الدولة، وتكريس لواقع يُدار فيه القرار اللبناني من خارج حدوده، مهما حاول البعض تغليفه بشعارات جوفاء.
مواضيع مماثلة للكاتب:
رئيس يجرؤ على قول الحقيقة | ممنوع العبث بالسّلم الأهلي | ترامب: احتراف استثمار الحرب والسلام |




