مفاوضات واشنطن: لبنان يستعيد سيادته ويفاوض على الحرب والسلام

أبرز ما حققته الدولة اللبنانية هو استعادة زمام المبادرة في التفاوض، وانتزاع هذا الملف من يد “الحزب”، ما يعني الانتقال إلى مرحلة احتكار القرار التفاوضي قبل احتكار السلاح، ما قد يفتح الباب أمام إنهاء صراع امتد لأكثر من ثمانية عقود
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في خطوة وُصفت بالتاريخية، استضافت وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل 2026 اجتماعاً ثلاثياً رفيع المستوى جمع مسؤولين من الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، في أول تواصل مباشر من هذا النوع بين بيروت وتل أبيب منذ عام 1993. وقد شكّل اللقاء، الذي ضم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وعدداً من كبار المسؤولين، إلى جانب سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، نقطة انطلاق لمسار تفاوضي جديد يهدف إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى البحث الجدي في تسوية شاملة.
هذا التطور لا يقتصر على كونه حدثاً دبلوماسياً عابراً، بل يعكس تحوّلاً أعمق في مقاربة الملف اللبناني، سواء على مستوى استعادة الدولة لدورها التفاوضي، أو على صعيد إعادة ربط قضايا الحرب والسلم بالقرار السيادي اللبناني. ووفق ما أجمعت عليه مواقف المشاركين، فإنّ إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل بات خياراً مطروحاً بجدية، برعاية أميركية، مع ربط واضح بين هذا المسار وبين ملفات أساسية، أبرزها وقف إطلاق النار، إعادة الإعمار، والانتعاش الاقتصادي.
كما برز في هذا السياق تأكيد لافت على أنّ أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية في لبنان يجب أن يكون ثمرة تفاهم مباشر بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، ما يعكس توجهاً لفصل هذا الملف عن أي مسارات إقليمية موازية، ويكرّس حصره بالإطار التفاوضي الثنائي. ويُعدّ هذا الطرح، بحسب تقديرات محللين سياسيين، مؤشراً إضافياً على إعادة تموضع القرار اللبناني بعيداً عن التأثيرات الخارجية، لا سيما في ما يتعلق بربط وقف إطلاق النار بمسار التفاوض المباشر، وليس بأي اعتبارات إقليمية أخرى.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز الاجتماع كمدخل لمرحلة جديدة قد تحمل في طياتها فرصاً لإنهاء حالة الصراع المزمنة، وفتح الباب أمام تسوية أوسع، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع متطلبات الاستقرار والتنمية، وسط رهانات على أن يفضي هذا المسار إلى اتفاق سلام شامل يعيد رسم ملامح العلاقة بين البلدين.
في هذا الإطار، يقول المحلل السياسي مروان الأمين لـ “هنا لبنان” أنّ أهمية هذا الاجتماع التحضيري للمفاوضات تكمن أولاً في كونه مؤشراً واضحاً على استعادة لبنان لسيادته الدبلوماسية، بعد عقود من الارتهان لتأثيرات خارجية، سواء من قبل النظام السوري أو الإيراني من خلال هيمنة أجندة حزب الله على القرار اللبناني. ويعتبر أنّ هذه الخطوة تمثّل تحولاً نوعياً في طريقة إدارة السياسة الخارجية اللبنانية.
ويشير الأمين إلى أنّ اللقاء الذي جمع السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن شكّل كسراً لمحظورات تاريخية، وفتح الباب أمام مسار جديد لمعالجة ملف الصراع، بهدف إنهاء استخدام لبنان كساحة للحروب، والتأسيس لمرحلة من الاستقرار المستدام.
كما يلفت إلى أنّ البيان المشترك الصادر عقب الاجتماع تضمّن إشارات بالغة الأهمية، أبرزها تأكيد واشنطن على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، إلى جانب دعمها لمسار تفاوضي قد يفضي إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل. ويرى أنّ هذا الطرح يربط بشكل مباشر بين السلام وإعادة الإعمار، فضلاً عن تحقيق انتعاش اقتصادي طال انتظاره، خصوصاً في المناطق المتضررة، وفي مقدمتها الجنوب، بما يتيح عودة السكان إلى منازلهم ضمن بيئة مستقرة.
ويؤكد الأمين أنّ من النقاط الجوهرية التي برزت أيضاً، أنّ مسألة وقف إطلاق النار في لبنان باتت مرتبطة مباشرة بمسار التفاوض اللبناني–الإسرائيلي نفسه، وليس بأي مسارات إقليمية أخرى. ويعتبر أنّ هذا التطور يحمل دلالة سياسية بالغة الأهمية، إذ يفصل القرار اللبناني عن أي ارتباط بملفات تفاوضية خارجية، ويشكّل إشارة واضحة إلى أنّ ملف وقف إطلاق النار لم يعد مرتبطاً بإيران أو بأي طرف إقليمي آخر، بل أصبح جزءاً من السيادة التفاوضية اللبنانية المباشرة.
ويضيف أنّ الجانب الإسرائيلي ركّز، كما كان متوقعاً، على هواجسه الأمنية المرتبطة بسلاح حزب الله، إلا أنه أبدى في المقابل استعداداً للانخراط في مسار يؤدي إلى السلام، وهو ما يُعدّ مؤشراً إيجابياً في ظل الطرح الأميركي الذي يربط التسوية الشاملة بالسلام وبالتالي بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.
ويؤكد الأمين أنّ الطرح اللبناني ركّز بدوره على وقف إطلاق النار، وعودة النازحين، وبسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، معتبراً أنّ هذه النقاط تشكّل قاسماً مشتركاً بين مختلف الأطراف المعنية.
ويختم بالقول إنّ توصيف الاجتماع بالإيجابي من قبل الجانبين اللبناني والإسرائيلي يعكس غياب خلافات جوهرية حول ملفات الحدود، ما يعني أنّ العقدة الأساسية تبقى في مسألة سلاح حزب الله. ويرى أنّ التوصل إلى حل لسلاح حزب الله وحصره بيد الشرعية، من شأنه أن يمهّد الطريق أمام انسحاب إسرائيلي، وعودة النازحين، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وصولاً إلى إبرام اتفاق سلام شامل.
بدوره، يقول المحلل السياسي آلان سركيس أنّ المفاوضات التي عقدت في واشنطن تمثّل حدثاً تاريخياً ومفصلياً في مسار العلاقة بين لبنان وإسرائيل، بغض النظر عن الجدل الدائر حولها.
ويشير إلى أنّ هذه هي المرة الأولى منذ اتفاق الطائف التي يجتمع فيها الطرفان بهذا الشكل المباشر، ما يضفي على اللقاء بعداً استثنائياً، لا سيما مع حضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بما يعكس رعاية وضمانة أميركية واضحة لهذه العملية.
ويؤكد سركيس أنّ توقيت المفاوضات يحمل دلالة إضافية، إذ جاءت في ظل معارضة حزب الله، ما يعكس تراجع قدرته على فرض قراره على الدولة اللبنانية أو التحكم بسياساتها.
ويضيف أنّ التهديدات التي سبقت المفاوضات، سواء من نعيم قاسم أو من مسؤولين آخرين في الحزب، لم تنجح في عرقلة المسار، ما يشير إلى دخول لبنان مرحلة سياسية جديدة، ولو على المستوى الشكلي حتى الآن.
وفي المضمون، يعتبر سركيس أنّ هذه المفاوضات لا تزال أولية وتمهيدية، ومن المتوقع أن تأخذ وقتاً طويلاً نظراً لتعقيد الملفات المطروحة، والتي تشمل قضايا الانسحاب الإسرائيلي، وسلاح حزب الله، وترسيم الحدود البرية والبحرية، إضافة إلى ملف الأسرى.
ويشير إلى أنّ مطلب وقف إطلاق النار يشكّل عنصراً أساسياً في النقاش، وقد يؤدي عدم تحقيقه إلى تعقيد المسار التفاوضي.
ويرى أنّ الدور الأميركي سيكون حاسماً في دفع المفاوضات قدماً، في حال توفرت جدية حقيقية لدى واشنطن، معتبراً أنّ المسار السياسي قد يسير بشكل منفصل عن الواقع الميداني، حيث يستمر الصراع بين إسرائيل وحزب الله، في ظل ارتباطه بإيران.
ويخلص سركيس إلى أنّ أبرز ما حققته الدولة اللبنانية هو استعادة زمام المبادرة في التفاوض، وانتزاع هذا الملف من يد حزب الله، ما يعني الانتقال إلى مرحلة احتكار القرار التفاوضي قبل احتكار السلاح. ويصف هذه الخطوة بالجريئة والتاريخية، معتبراً أنها قد تفتح الباب أمام إنهاء صراع يمتد لأكثر من ثمانية عقود.
ويضيف أنّ لبنان يتجه نحو مرحلة سلام أولية مع إسرائيل، قد تليها لاحقاً مرحلة تطبيع، مشيراً إلى أنّ تسريع أي تفاهمات إقليمية، خصوصاً مع إيران، سينعكس إيجاباً على الوضع اللبناني. ويؤكد أنّ حزب الله فقد قدرة التعطيل أو فرض “الفيتو”، فيما تواصل الدولة اللبنانية مسارها التفاوضي بدعم من رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، وبمباركة رئيس مجلس النواب نبيه بري، رغم محاولات التنصل من ذلك.
مواضيع مماثلة للكاتب:
لبنان وإسرائيل على طاولة واشنطن: مرحلة تمهيديّة لمسار طويل | تصعيد محتمل بين واشنطن وطهران بعد فشل مفاوضات إسلام آباد | هدنة هشّة… ولبنان يدفع الثمن: إيران تتخلّى عن ذراعها الأكبر حزب الله! |




