مهزلة “الغطاء السياسي” في لبنان!


خاص 16 نيسان, 2026

التحقيق في جريمة المرفأ يشمل بعض أتباع مخابرات الأسد وبعض أتباع حزب السلاح الإيراني ما يُضيء على غالبيّة الجرائم التي تحميها “أغطية سياسية”، ولا سيما خلال اجتياح حزب السلاح لبيروت في 7 أيار عام 2008.

كتب محمد سلام لـ”هنا لبنان”:

في تموز الآتي بعد ثلاثة أشهر لن “تغلي المَيْ بالكوز” كما يقول المثل الشعبي، بل ستتفتّح جراحٌ خُتمت على زغلٍ أثناء بحثها عن حقيقة وعدالة منذ اغتيال رئيس بلدية صيدا ونائبها السابق معروف سعد برصاصة قناص “رسمي” في 6 شباط عام 1975 حتى اغتيال النّاشط السياسي لقمان سليم بعدة رصاصات في رأسه في منطقة عمليّات اليونيفيل ونقله إلى منطقةٍ تحت سلطة الدولة اللبنانية قرب مدينة صيدا، ما يوحي بأنّ قاتله “رسميّ” أيضًا.

حمم الحقائق الباحثة عن العدالة ستقذفها براكين ملفّ تحقيقات القاضي طارق البيطار في تفجير مرفأ بيروت إلى النيابة العامة لبحثها وتقرير “مصير كلّ المدعى عليهم الـ 70 من السياسيين والأمنيين والقضاة وغيرهم”، وفق ما كشفته المحرّرة القضائية فرح منصور في جريدة “المدن”.

فهل ستسطّر النيابة العامة مذكّرات توقيف بحقّ جميع المدعى عليهم، أم ستقرّر تركهم وتحويل الملف إلى المجلس العدلي؟

وماذا سيقرّر المجلس العدلي؟ علمًا أنّ كلًا من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام كانا قد أكّدا في مناسبات عدّة أنّ ما يعرف بـ”الغطاء السياسي” سيُرفع عن جميع المتهمين بغضّ النّظر عن هوياتهم السياسية والعدلية والأمنية… إلخ.

ويُستبعد جدًّا أن يعمد وزير العدل عادل نصار المعروف بحزمه وحسمه وتشدّده على تأمين “غطاء سياسي” لأيّ من الفاسدين والمتجاوزين للقوانين.

علمًا أنّ ما يسمّى بـ”الغطاء السياسي” هو مصطلح من قاموس الفساد اللبناني يؤمّن مساعدة مخالفي القوانين من مجرمين ومهربين وقوّادين ومافياويّين على الإفلات من العقاب، وهو إحدى أبشع مدارس الفساد المُحارَبة عالميًا والمنتشرة في دول العالم الثالث أو الدول الديكتاتورية الشمولية كنظام الأسد البائد ونظام فنزويلا وبعض أنظمة أميركا اللاتينية.

قد يُفاجأ البعض بأنّ رفع الغطاء عن المتّهمين بتفجير مرفأ بيروت سيكشف عمليات “غطاء سياسي” تشمل قضايا غير مرتبطة موضوعيًّا بالمرفأ بل على علاقة إمّا بالمتهمين بالتسبّب بتفجير المرفأ أو بالمتهمين بجرائم قتل مرتبطة بشهودٍ على مَن تسبّب بتفجير المرفأ أو ما تسبّبت به متفجرات نيترات المرفأ من مآسٍ للشعب السوري عبر البراميل المتفجّرة.

بالحد الأدنى، كشف جريمة المرفأ سيُعرّي قتلة المصوّر جوزف بجاني الذي اغتيل بمسدسٍ كاتمٍ للصوت أمام منزله في بلدة الكحالة في 21 كانون الأول 2020 وتمّت سرقة محتويات سيارته لأنّه كان قد صوّر الذين ينقلون جثث القتلى بعد تفجير المرفأ وسياراتهم قبل أن تصل وحدات الجيش “وتمنع التصوير”.

كشف قتلة بجّاني سيضيء، أقلّه، على قتلة لقمان سليم وغيره، هذا إذا لم يقتلهم مُشغّلهم “المحلّي”.

وكشف المتورّطين بتفجير المرفأ سيسلط الضوء أيضًا على ألغاز مقتل العقيد المتقاعد من مكافحة التهريب في الجمارك منير أبو رجيلي في منزله الصيفي في بلدة قرطبا والذي تُرك التحقيق فيه مفتوحًا ومن دون التدقيق في كاميرات البلدة ما دفع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى التساؤل عبر حسابه على “إكس”: “ماذا وراء مقتل العقيد منير أبو رجيلي رئيس مكافحة التهريب سابقًا في الجمارك اللبنانية. هل أنّ هذا الحدث المُريع لتعطيل أيّ تحقيق جدّي في قضية انفجار مرفأ بيروت؟”

التحقيق مع الـ 70 سالفي الذكر سيضيء عبر التعاون مع الأجهزة الأمنية في سوريا الجديدة على من “اتخذ قرار اغتيال رئيس الحركة الوطنية اللبنانية كمال جنبلاط “وبالتعاون مع مَن في لبنان” لأن اغتيال شخصية بحجم كمال جنبلاط لا يتخذه مخابراتي صغير ولا حتى مشغّله، بل يلزمه قرار من “رئيس دولة” بمستوى حافظ الأسد يستطيع تأمين “تحالفٍ” مع قوى أخرى في لبنان على الرغم من انتشار أكثر من 30 ألف جندي من جيشه على الأراضي اللبنانية.

التحقيق مع بعض عملاء مخابرات الأسد من الـ 70 سالفي الذكر سيُضيء على مَن خطف وقتل ناشر مجلّة الحوادث سليم اللوزي الذي خُطف على طريق مطار بيروت في 24 شباط عام 1980 ووجدت جثته في 6 آذار في منطقة عرمون وقد جُرِّد لحم كفّه الأيمن الذي كان قد استخدمه في كتابة مقال عن حافظ الأسد تحت عنوان “لماذا يكذب النظام”.

وكان الأستاذ اللوزي، المُقيم في لندن، قد عاد إلى لبنان لتقبّل التعازي في مدينة طرابلس بوفاة والدته فكمن له بلطجيّة نظام الاستبداد على طريق المطار أثناء مغادرته.

نقيب الصحافة رياض طه، رحمه الله، لم يكن مصيره أفضل من اللّوزي، فقد اغتيل في 23 تموز عام 1980 في منطقة الروشة في بيروت بإطلاق النار على سيارته من قبل عناصر من حزب البعث السوري وقد ظهر قاتله المدعو عبد الإله محمد الموسوي في فيلمٍ إيرانيٍّ في جرود بلدته البقاعية النبي شيت على الرّغم من صدور قرار بإعدامه من قبل المجلس العدلي قبل 46 سنة، ويبدو أنّه كان يحظى بـ”غطاء سياسي” ثقيل يكفي لتدفئته كون الطقس في النبي شيت بارد جدًّا.

وكان عبد الإله قد أطلق هو وشريكه في الجريمة خليل عباس الموسوي ما يفوق الأربعين رصاصة استقرّت 6 منها في جسد النقيب طه وأردته على الفور، وأصدر المجلس العدلي حكمه الغيابي بإنزال عقوبة الإعدام بخليل وعبد الإله الذي فاخرت إيران بعرضه في فيلمها.

وذكر موقع “ليبانون ديبايت” أنّ عبد الإله يحظى “بغطاء أحد النواب السّابقين الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية إلى غضّ نظرها عن الموضوع، على الرغم من أنّ عنوانه معلوم لسكان بلدته”.

التحقيق في جريمة المرفأ يشمل بعض أتباع مخابرات الأسد وبعض أتباع حزب السلاح الإيراني ما يُضيء على الكثير من خصوصيّات بلدة النبي شيت التي خطفت إسرائيل مواطنها النقيب المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر للتحقيق معه في موضوع الطيّار الإسرائيلي رون أراد الذي اختفى في البقاع، وكان أحد محتجزيه من آل شكر، وفق مزاعم إسرائيل.

في ليل 6 آذار الماضي، نفّذت إسرائيل عمليتَيْ إنزال جوّي وبرّي في البقاع للوصول إلى النبي شيت بحثًا عن رفات رون أراد في مقبرة النبي شيت، وخاضت معركةً شرسةً نتج عنها عدة مصابين من سكّان البلدة وغادرت بعدما حفرت قبرًا ولم تجد فيه ما يخص أراد، ما يؤكّد فرضيّة أن الإسرائيليين حصلوا على معطيات من المخطوف شكر، وهو ما توقّعته العائلة التي يُعتقد أنها نقلت كل ما يتعلق بالطيّار الإسرائيلي إلى موقع آخر، ما يؤهّلها لمقايضة الموجودات باستعادة ابنها المخطوف.

كتب الباحث في التاريخ صقر أبو فخر في جريدة “الجدليّة” البحثية بتاريخ 22 نيسان 2020 أنّه “قبيل انفجار الحرب في 13/4/1975، أطلق الرقيب في الجيش اللبناني، مارون داود، النّار على النائب اللبناني، معروف سعد، الذي كان في يوم 26/2/1975 على رأس تظاهرة احتجاجيّة لصيّادي الأسماك في مدينة صيدا، فأصابه إصابة بالغة، ثم توفي في 6/3/1975. وكانت تلك الحادثة الشرارة التي أشعلت براميل البارود المعدّة سلفًا”.

يومها كنت قد صوّرت التظاهرة، وأخفيت الفيلم في أحد جواربي، ووضعت في الكاميرا فيلمًا آخر، وتوجّهت إلى حاجز الأوّلي لمغادرة صيدا والعودة إلى بيروت لتسليم الفيلم للوكالة.

منعني الرقيب على حاجز الأولي من المغادرة من دون أن أسلمه الفيلم (الفارغ) الذي في الكاميرا.

مثّلت الرفض وتعاركت معه إلى أن فتحت الكاميرا ونزعت الفيلم الفارغ وفتحته للإيحاء بأنّني حرقته.

أثناء العراك وصلت سيارة جيب عسكرية يقودها سائق، بقربه ضابط رأيت نجومه الثلاثة، وفي المقعد الخلفي عنصر عسكري.

أدّى له الرقيب التحية مع “تفضّل سيدنا”، وقال لي بعصبية “إنْقِلِع فِلّ”… ففلّيت.

فعلًا صدق مَن قال: “لبنان بيت واحد بعدة أبواب، إن دخلت من أي باب تصل إلى البقية”.

عملًا بهذه الحكمة، ستُضيء تحقيقات مرفأ بيروت على غالبيّة الجرائم التي تحميها “أغطية سياسية” خلال اجتياح حزب السلاح لبيروت في 7 أيار عام 2008 وأبرزها قتل السيدة أمل بيضون (59 سنة) ونجلها المحامي هيثم طبارة (35 سنة) وسرقة مجوهراتها أثناء محاولتهما مغادرة بيروت عبر منطقة رأس النبع.

لا يمكن إحصاء جميع الجرائم المشمولة “بأغطية سياسية” في لبنان. لكن ما سلف كان مجرّد عيّنة على هذه النماذج السيئة التي تسهّل الإفلات من العقاب، ما يطرح السؤال:

هل ستخرجنا منظومة عون – سلام من مقبرة “الغطاء السياسي” أم سنبقى مدفونين فيها، فيضيع الوطن بكل ما يمثله؟!.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us