550 مليون دولار شهريًّا… احتياطيّ مصرف لبنان تحت الضغط بين تراجع التدفّقات وتزايد الالتزامات!

في حال استمرار هذا المسار التراجعي في الاحتياطيّات، ومع غياب مصادر تمويل بديلة قادرة على تعويض هذا النقص، يبرز تساؤل أساسي حول التداعيات المحتملة على الاستقرار النّقدي في لبنان، وعلى قدرة المصرف المركزي على مواصلة تأمين هذه الالتزامات من دون انعكاسات مباشرة على سعر صرف الليرة.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
تشهد احتياطيّات مصرف لبنان من العملات الأجنبية مسارًا تراجعيًّا متدرّجًا في الفترة الأخيرة، في ظلّ بيئة اقتصادية ومالية معقّدة تتداخل فيها تداعيات التوتّرات الإقليمية مع انعكاسات الحرب المستمرّة، إضافةً إلى الضغوط الداخلية المتراكمة على الماليّة العامة والقطاع النقدي في لبنان. هذا التراجع لا يُنظر إليه كرقمٍ محاسبيٍّ فقط، بل كعامل أساسي ينعكس مباشرةً على ثقة الأسواق، وعلى قدرة المصرف المركزي في ضبط استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار.
ويأتي هذا التطوّر في وقتٍ تتزايد فيه الحاجة إلى العملات الأجنبية لتغطية التزاماتٍ أساسيةٍ، تشمل الرواتب والأجور في القطاع العام، وتمويل بعض احتياجات الدولة، إضافةً إلى برامج الدعم والتعاميم المرتبطة بالقطاع المصرفي، ما يضع الاحتياطيّات أمام استنزاف مستمرّ في ظلّ غياب تدفّقات مالية كافية تُعوّض هذا النّقص.
ومع استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالوضعَيْن السياسي والأمني في المنطقة، تتزايد المخاوف من انعكاس هذا التراجع على الاستقرار النقدي، خصوصًا أنّ سوق الصرف في لبنان يبقى شديد الحساسيّة لأي تغيّر في ميزان العرض والطلب على الدولار. وبين هذه المعطيات، يطرح المشهد الاقتصادي سؤالًا محوريًّا: إلى أيّ مدى يمكن أن يستمرّ هذا المسار التراجعي في الاحتياطيّات، وما هي العوامل الفعلية التي تقف خلفه؟
من هنا، يؤكد البروفيسور مارون خاطر، الكاتب والباحث في الشؤون المالية والاقتصادية، أنّ هناك طلبًا متزايدًا على الدولار نتيجة اختلال التوازن بين التدفّقات الخارجية التي تراجعت، سواء من السياحة أو من تحويلات المغتربين، في مقابل ارتفاع الحاجة إلى العملة الصعبة بفعل تداعيات الحرب.
ويُشير خاطر إلى أنّ هذا الواقع يزداد تعقيدًا في اقتصادٍ مُدَوْلَرٍ بنسبة تفوق 90%، ويعتمد بشكل كبير على الدولار لتغطية فاتورة اقتصادية تتجاوز مليار دولار شهريًّا، تُضاف إليها الفاتورة النّفطية. ويؤكد أنّ مجمل هذه العوامل تشكّل ضغطًا كبيرًا على احتياطيّات مصرف لبنان من العملات الأجنبية.
ويضيف أنّ اللافت هو أن تراجع هذه الاحتياطيّات يفوق وتيرة انخفاض ودائع الدولة بالليرة اللبنانية، ما يعكس بوضوح وجود طلبٍ مرتفعٍ ومستمرٍّ على الدولار في السوق المحلية.
وتصل التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى نحو 550 مليون دولار شهريًّا، موزّعة بين حوالي 250 مليون دولار تُخصّص للرواتب والأجور في القطاع العام، ونحو 100 مليون دولار لتمويل حاجات الدولة الأساسيّة، إضافةً إلى قرابة 200 مليون دولار تُستخدم في إطار التعميمَيْن 158 و166 المرتبطَيْن بدعم جزءٍ من المودعين والقطاع المصرفي.
ويعكس هذا الحجم من الالتزامات الشهرية ضغطًا مستمرًّا على احتياطيّات المصرف المركزي، خصوصًا في ظلّ تراجع مصادر تدفّق العملات الأجنبية. وفي حال استمرار هذا المسار التراجعي في الاحتياطيّات، ومع غياب مصادر تمويل بديلة قادرة على تعويض هذا النقص، يبرز تساؤل أساسي حول التداعيات المحتملة على الاستقرار النّقدي في لبنان، وعلى قدرة المصرف المركزي على مواصلة تأمين هذه الالتزامات من دون انعكاسات مباشرة على سعر صرف الليرة.
وفي هذا السياق، أشار البروفيسور خاطر إلى أنّه في حال انتهت الحرب وعادت التدفّقات النقدية، سواء من السياحة أو تحويلات المغتربين، فلن تكون هناك مشكلة كبيرة، وسيتمكّن مصرف لبنان من الحفاظ على استقرار سعر الصرف، مُستفيدًا من تحوّله إلى اللاعب الأساسي في سوق القطع، من خلال شرائه الدولار وتحكّمه بالسيولة بالليرة اللبنانية.
أمّا في حال طال أمد الأزمة، فيؤكّد خاطر أنّ البلاد ستواجه حاجةً متزايدةً إلى التمويل، ما يضعها أمام خيارَيْن أحلاهما مرّ: إمّا لجوء الدولة إلى استخدام ودائعها بالليرة اللبنانية لدى مصرف لبنان وضخّها في السوق، وهو ما ستكون له تداعيات تضخّمية، ما سيدفع المصرف المركزي إلى التدخّل مجددًا لحماية سعر الصرف، أو أن يقوم مصرف لبنان بتحويل جزءٍ من هذه الودائع إلى الدولار الأميركي، استنادًا إلى المادة 91 من قانون النقد والتسليف.
ويحذّر خاطر من أنّ الواقع الحالي دقيق وصعب، وفي حال استمرار الضغوط، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى المزيد من استهلاك واستنزاف احتياطيّات مصرف لبنان من العملات الأجنبية.
بلغة الأرقام، تراجع احتياطيّ مصرف لبنان من 12.1 إلى نحو 11.5 مليار دولار خلال فترة قصيرة، أي بخسارة تُقدَّر بنحو 540 مليون دولار، مع اقترابه من العتبة الحرجة البالغة 9.5 مليارات دولار، وهو مستوى الاحتياطيّ الإلزاميّ الذي لا يمكن المساس به. ويعكس هذا المسار الضّاغط حجم التحدّيات التي يواجهها المصرف المركزي في إدارة الاستقرار النقدي، في ظلّ استمرار الضغوط الاقتصادية وتقلّص هوامش المناورة المالية.




