معركة الدولة: إنهاء زمن الميليشيات


خاص 20 نيسان, 2026

لبنان اليوم أمام خيار واحد لا يحتمل الرمادية: إما أن ينجح في فصل مساره عن المسار الإيراني، ويثبت نفسه كدولة طبيعية تفاوض وتقرّر وتحمي شعبها، أو أن يبقى رهينة مشروع يستهلكه حرباً بعد أخرى

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

يدخل لبنان مرحلة حاسمة لا تحتمل التأجيل ولا المناورة. إنها لحظة فاصلة بين قيام الدولة فعلياً، أو استمرار الانهيار تحت وطأة حروب حزب الله المتكررة. منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، بدأ مسار مختلف يتبلور، عنوانه استعادة القرار الوطني من قبضة السلاح الخارج عن الشرعية، وفي مقدمته حزب الله.

الوقائع راهناً، لا تحتاج إلى كثير من التفسير. المشهد في الجنوب كفيل بإسكات أي جدل نظري. آلاف اللبنانيين عادوا إلى قراهم بعد وقف إطلاق النار، ليجدوا أنفسهم أمام دمار واسع، منازل وأحياء ممسوحة، وبنى تحتية منهارة. هذه ليست كلفة “مواجهة دفاعية”، بل نتيجة قرار فصيل إيراني أحادي زجّ لبنان في حرب عبثية لا تشبهه. حرب خيضت خدمةً لمشروع إقليمي تقوده إيران، فيما دفع اللبنانيون وحدهم الثمن.

هذا الواقع يعيد طرح السؤال الأساسي: من يقرر الحرب في لبنان؟

طالما بقي الجواب خارج مؤسسات الدولة، فإنّ أي حديث عن سيادة أو إصلاح يبقى حبراً على ورق.

هنا تحديداً يكمن جوهر المعركة التي يخوضها الرئيس جوزاف عون، وأهمية التحول الذي يقوده ليؤكد أنّ “لبنان لم يعد ورقة في جيب أحد”. هي ليست فقط معركة تفاوض مع الخارج، بل معركة تثبيت مبدأ أنّ لبنان دولة تقرر عن نفسها، لا ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

هذا ليس شعاراً سياسياً، بل إعلان نية يتطلب ترجمة عملية. البداية تكون بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، بلا استثناءات أو تسويات. يترافق ذلك مع إعادة تثبيت دور الجيش والقوى الأمنية كمرجعية وحيدة للسلاح، ووضع حد نهائي لازدواجية السلطة والميليشيات.

في المقابل، يفتح المسار التفاوضي باباً مختلفاً. التفاوض ليس ضعفاً، بل أداة لحماية ما تبقى من لبنان. أي تهدئة، حتى لو كانت هشة، تخفّض كلفة المخاطر، وتعيد إدخال لبنان في دائرة الاهتمام الدولي. بلد منهك اقتصادياً لا يستطيع تحمّل رفاهية الصراعات المفتوحة. كل مغامرة قاتلة لحزب الله لا تدمّر فقط الحجر، بل تضرب ما تبقى من ثقة، وتؤخر أي فرصة للنهوض، وتعيد لبنان إلى نقطة الصفر.

المعطيات الدولية أيضاً تغيّرت. هناك اتجاه واضح لتقليص نفوذ إيران وأذرعها في المنطقة، ما يفتح نافذة أمام لبنان لإعادة تموضعه. هذه الفرصة قد لا تتكرر. الاستفادة منها تتطلب قراراً سيادياً حاسماً، لا يقبل المساومة.

لكن الخطر لا يزال قائماً في الداخل. حزب الله، الذي بنى نفوذه على فائض القوة، لن يتخلى بسهولة عن هذا الدور. احتمالات التعطيل أو التصعيد تبقى واردة، سواء سياسياً أو أمنياً. وهذا ما بدا جلياً من خلال التصاريح الإعلامية التي انكبّ ما تبقى من قادته على الإدلاء بها، والتي تصبّ في خلق توترات داخلية لإفشال مسار الحكومة الجديد. من هنا، يصبح الرهان على وعي اللبنانيين أساسياً. فإما دعم مشروع الدولة، أو الاستمرار في دوامة الانهيار.

لبنان اليوم أمام خيار واحد لا يحتمل الرمادية: إما أن ينجح في فصل مساره عن المسار الإيراني، ويثبت نفسه كدولة طبيعية تفاوض وتقرّر وتحمي شعبها، أو أن يبقى رهينة مشروع يستهلكه حرباً بعد أخرى. إنها لحظة الحسم؛ والمسألة تتطلب احتضاناً وطنياً يدفع الرئيس جوزاف عون إلى الإقدام، من دون تردد، على المبادرة إلى ملاقاة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مسار فرض السلام المطلوب بين شعوب المنطقة، وفي مقدمتهم بين لبنان وإسرائيل.

الرهان واضح. إما دولة تملك قرارها، أو ساحة تُدار من بقايا الحرس الثوري الإيراني. ما يقوم به الرئيس عون هو محاولة جدية لإنقاذ وتثبيت قيام الدولة اللبنانية. نجاح هذه المحاولة لا يتوقف عليه وحده، بل على قدرة اللبنانيين على الاختيار.. ودعم مشروع التحرر من دويلة حزب الله وحروبها التدميرية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us