ارتفاع “دفتري ومحاسبي” لموجودات مصرف لبنان الخارجيّة لا يعكس الحقيقة المرة.. تراجع الاحتياطي بالعملات الأجنبية لا يمكن إخفاؤه بارتفاع الدولار والتضييق النقدي!

خاص 21 نيسان, 2026

الارتفاع المحقّق لدى المصرف المركزي بقيمة 1,817.9 مليون دولار في شهر واحد هو “ربح ورقي” ناتج عن ارتفاع سعر أونصة الذهب عالميًا نتيجة التوترات الجيوسياسيّة في مطلع 2026، ولا يعني هذا الارتفاع توفّر سيولة نقديّة يمكن استخدامها لردّ الودائع أو تمويل الاستيراد بل هو زيادة في قيمة الذهب التي يملكها مصرف لبنان

نُشر تقرير في الأيام الماضية يشير إلى ارتفاع صافي الموجودات الخارجيّة لدى القطاع المالي اللبناني بمبلغ قدره 1,960.8 مليون دولار في شهر شباط 2026، مقارنةً بزيادات بلغت 5,744.7 مليون دولار في شهر كانون الثاني و2,231.8 مليون دولار في شهر كانون الأوّل 2025 و1,500.1 مليون دولار في شهر تشرين الثاني. واستنادًا إلى التقرير، سجّل صافي الموجودات الخارجيّة لدى القطاع المالي في شهر شباط ارتفاعًا صافيًا للموجودات الخارجيّة لدى المصرف المركزي بمبلغٍ قيمته 1,817.9 مليون دولار، وهو نتيجة تحسّن شهريّ في احتياطيات الذهب بقيمة 1.89 مليار دولار، والذي طغى على التراجع في الموجودات الخارجيّة بالعملات الأجنبيّة.

تحليل دقّة الأرقام

لا بدّ من التوقّف عند العديد من الأرقام التي وردت في هذا التقرير، فالجزء الأكبر من التغيّر في صافي الموجودات الخارجيّة لدى القطاع المالي هو نتيجة تحسّن أسعار الذهب عالميًّا وتأثيرها الإيجابي على احتياطيات الذهب لدى مصرف لبنان، والتي تم إدخالها في احتساب تغيّر الموجودات الخارجيّة للمصرف المركزي بالعملة الأجنبيّة منذ شهر آب 2024، بعد أن تم إدخال قيمة الذهب النقدي، والأدوات الخارجيّة بالعملة الأجنبيّة، والعملات والودائع الأجنبيّة مع المصارف المراسلة والمؤسّسات الدوليّة ضمن موجودات مصرف لبنان الخارجيّة، مع استثناء استثماراته في سندات خزينة الدولة اللبنانيّة وتسليفاته بالعملة الأجنبيّة إلى المصارف المقيمة والمؤسّسات الماليّة. بمعنى أوضح، السبب الرئيسي لارتفاع الموجودات الخارجيّة للمركزي هو تحسّن أسعار الذهب عالميًّا، فمنذ آب 2024، اعتمد مصرف لبنان منهجية إدخال تقييم الذهب ضمن “صافي الموجودات الخارجيّة”. وفي مقاربة سنويّة، الارتفاع من 3,127.5 مليون دولار في شباط 2025 إلى 7,705.4 مليون دولار في شباط 2026، أي بنسبة 146.38%، هي أرقام صحيحة محاسبيًا، وتعكس سياسة المصرف المركزي في التوقّف عن تمويل الدولة وبدء تجميع احتياطيات (دولار فريش) تدريجيًا، مضافًا إليها القيمة السوقيّة للذهب.

في هذا الإطار، شكّل إحتياطيّ الذهب حصّة 45.24% من مجموع أصول مصرف لبنان كما في نهاية شهر آذار 2026 فيما بلغت حصّة الموجودات الخارجيّة بالعملات الأجنبيّة 12.39%، مقارنةً بنسب بلغت 50.35% و12.51% بالتتالي لكلٍّ منهما قبل فترة أسبوعين.

التقييم التحليلي: تضليل أم واقع؟

النمو المحقّق هو نمو دفتري وليس سيولة نقديّة، فالارتفاع المحقّق لدى المصرف المركزي بقيمة 1,817.9 مليون دولار في شهر واحد هو “ربح ورقي” ناتج عن ارتفاع سعر أونصة الذهب عالميًا نتيجة التوترات الجيوسياسيّة في مطلع 2026. هذا الارتفاع لا يعني توفّر سيولة نقديّة يمكن استخدامها لردّ الودائع أو تمويل الاستيراد، بل هو زيادة في قيمة الذهب التي يملكها مصرف لبنان. وهنا لا بدّ من التوقّف أيضًا عند التراجع الذي تعاني منه المصارف، حيث تشير البيانات إلى تراجع بنسبة 23.15% في صافي تغيّرات موجودات المصارف والمؤسّسات الماليّة الخارجيّة (من 449.4 مليون دولار إلى 345.4 مليون دولار).

طبعًا هذا مؤشر سلبي يعكس تراجع دور المصارف اللبنانيّة واستنزاف ما تبقّى من سيولتها لدى المصارف المراسلة، أي أن الزيادة في الموجودات تتراجع وقد تُصبح سلبية في وقت قريب، خصوصًا إذا ما استمرّت الأزمة على حالها دون حلول تنقذ هذه المؤسّسات المصرفيّة، لا تطيح بها وبرساميلها، بل تعيد ضخ السيولة فيها ضمن خطة عادلة وواقعيّة لإعادة هيكلتها، مع الحفاظ عليها وعدم تحمّلها الجزء الأكبر من كلفة معالجة الفجوة الماليّة.

ميزانية مصرف لبنان

تُظهِر ميزانيّة مصرف لبنان إنخفاضًا في الموجودات الخارجيّة بالعملات الأجنبيّة بمبلغٍ قدره 130.86 مليون دولار (1.12%) خلال النصف الثاني من شهر آذار 2026 إلى 11.53 مليار دولار (1،032.33 ترليون ليرة ، مقارنةً مع 11.67 مليار دولار (1،044.04 تريليون ليرة قبل فترة أسبوعين. والجدير بالذكر أنّ الموجودات الخارجيّة بالعملات الأجنبيّة لدى مصرف لبنان قد شهدت زيادة مطّردة خلال الفترة الممتدّة بين بداية شهر آب 2023 (أيّ عند نهاية ولاية الحاكم السابق رياض سلامة) ونهاية شهر آذار 2026 بلغت قيمتها الإجماليّة حوالي 2.96 مليار دولار عقب سياسة مصرف لبنان النقديّة الجديدة القاضية بالإمتناع عن تسليف الحكومة ورفع الدعم عن معظم السلع والحدّ من طبع العملة المحليّة.

في السياق عينه، تراجعت الموجودات الخارجيّة بالعملات الأجنبيّة لدى مصرف لبنان بحوالي 360 مليون دولار منذ مطلع العام الحالي وبـ 343 مليون د.أ. منذ إندلاع الحرب الأخيرة في بداية شهر آذار. كذلك تُبيِّن ميزانيّة مصرف لبنان تراجع في قيمة إحتياطاته من الذهب بلغت نسبته 10.29% (4.83 مليار دولار) في النصف الثاني من شهر آذار 2026 إلى 42.12 مليار دولار (3،769.85 تريليون ليرة) في ظلّ تسجيل أسعار الذهب لأسوأ أداء شهري له منذ شهر حزيران 2013 مع لجوء صناديق التحوّط والمستثمرين العالميين إلى تصفية جزء أو كامل مراكزهم من الذهب لتمويل إستثمارات في الدولار الأميركي وفي سندات الدين الأميركيّة سعياً وراء عوائد مرتفعة.

في سياقٍ متّصل، إنخفضت ميزانيّة مصرف لبنان بنسبة 0.16% في النصف الثاني من شهر آذار 2026 إلى 8،333.45 تريليون ليرة حيث أنّ الإنخفاض في قيمة إحتياطي الذهب بـ 10.29% وفي الموجودات الخارجيّة بالعملات الأجنبيّة بنسبة 1.12% قد طغوا على إرتفاع فروقات تقييم الذهب والعملات الأجنبيّة بنسبة 53.85% إلى 1،226.87 ترليون ليرة وعلى زيادة قيمة عمليّات السوق المفتوحة المؤجّلة بنسبة 0.70% إلى 177.14 تريليون ليرة للذكر لا للحصر.

الخلاصة… حقيقة مرةّ!

في الخلاصة، في التقرير نظرة “متفائلة” لا تعكس حقيقة الواقع المالي، فارتفاع موجودات المصرف المركزي ناتج عن إعادة تقييم الذهب وسياسة التضييق النقدي، وليس عن استثمارات جديدة، والتراجع في موجودات المصارف الخاصة يعكس استمرار تبعات الضغوط التي يتعرّض لها القطاع المصرفي اللبناني، أما النتيجة الكليّة فهي نمو محاسبي فقط لا غير، ولا تعني أنّ القطاع المالي استعاد عافيته أو قدرته على الإقراض، والمصرف المركزي لا يزال في وضع صعب. الحديث عن ارتفاع الموجودات الخارجيّة للقطاع المالي يخفي حقيقة أنّ “صافي الموجودات” لا يزال سلبيًا بشكل حاد إذا ما قورن بالالتزامات الضخمة للمصرف المركزي تجاه المودعين بالدولار. هو “تحسّن في الميزانيّة” وليس “تعافيًا في الاقتصاد”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us