التفاوض المباشر ولو طال الزمن


خاص 1 أيار, 2026

هناك حاجة إلى إعادة تعريف مفهوم التفاوض في الذهنية اللبنانية. فبدل النظر إليه كتنازل أو هزيمة، يمكن التعامل معه كأداة من أدوات إدارة الصراع، فالتفاوض لا يلغي الخلافات، بل ينظمها، ويضع لها حدودًا، وقد يفتح الباب أمام استقرار نسبي يسمح بإعادة بناء الداخل

كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:

يقف لبنان اليوم أمام معادلة قاسية تختصر واقعَه السياسي والاستراتيجي: إما الاستمرار في دائرة المراوحة والتصعيد غير المحسوب، أو التوجه، ولو متأخرًا، نحو خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل. وبين هذين المسارين، لا يبدو أنّ هامش المناورة واسع كما كان في مراحل سابقة، بل إنّ الوقائع تشير بوضوح إلى أنّ البلاد لم تعد في موقع القوة الذي يسمح لها بفرض شكل التفاوض أو شروطه.
هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات داخلية وخارجية. فمن جهة، يعيش لبنان أزمة بنيوية غير مسبوقة طالت الاقتصاد والمؤسسات والقدرة على اتخاذ القرار. ومن جهة أخرى، تتبدل البيئة الإقليمية بسرعة، حيث يتقدم منطق التسويات على حساب الصراعات المفتوحة، وتُعاد صياغة الأولويات الدولية بما لا يترك مجالًا كبيرًا للدول الصغيرة كي تفرض إيقاعها الخاص.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن التفاوض المباشر مسألة وقت أكثر منه خيارًا سياديًا صرفًا. فلبنان، الذي لطالما تمسك بصيغة التفاوض غير المباشر أو عبر الوسطاء، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف، حيث تزداد الضغوط الدولية، وتُطرح مقاربات جديدة تتجاوز الأطر التقليدية. ومع تضاؤل البدائل، يبدو أنّ رفض هذا المسار لم يعد كافيًا لتجنّبه.
غير أنّ الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في مبدأ التفاوض، بل في موقع لبنان داخله. فالتفاوض، في جوهره، عملية توازن بين مصالح وأوراق قوة، لكن حين يكون أحد الأطراف في حالة ضعف واضحة، تصبح العملية أقرب إلى محاولة تقليل الخسائر بدل تحقيق المكاسب،وهذا ما يثير مخاوف مشروعة في الداخل اللبناني، حيث يُطرح السؤال: هل يمكن خوض تفاوض مباشر من دون أن يتحوّل إلى مسار فرض شروط؟
الواقع أنّ ميزان القوى لا يميل لصالح لبنان، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو حتى السياسية. فالدولة تعاني انقسامًا داخليًا يُضعف موقفها التفاوضي، كما أنّ تعدّد مراكز القرار يحدّ من قدرتها على تقديم رؤية موحدة. في المقابل، تدخل إسرائيل أي مسار تفاوضي وهي مدعومة بتحالفات دولية قوية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في مسار المفاوضات ونتائجها.
ومع ذلك، فإنّ الاعتراف بواقع الضعف لا يعني بالضرورة الاستسلام له، بل يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لبناء مقاربة أكثر واقعية، تقوم على إدارة التفاوض، فالتاريخ السياسي يظهر أنّ دولًا عديدة خاضت مفاوضات صعبة من مواقع غير متكافئة، لكنها تمكنت، عبر التخطيط والمرونة، من تحقيق نتائج مقبولة أو على الأقل تجنّب الأسوأ.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم التفاوض في الذهنية اللبنانية. فبدل النظر إليه كتنازل أو هزيمة، يمكن التعامل معه كأداة من أدوات إدارة الصراع، فالتفاوض لا يلغي الخلافات، بل ينظمها، ويضع لها حدودًا، وقد يفتح الباب أمام استقرار نسبي يسمح بإعادة بناء الداخل.
لكن نجاح أي مسار تفاوضي يبقى مرتبطًا بعامل أساسي: الجبهة الداخلية، فلبنان لا يستطيع الدخول في مفاوضات مباشرة وهو منقسم على نفسه، إذ إنّ غياب الحد الأدنى من التوافق الوطني سيضعف موقفه أكثر، ويمنح الطرف الآخر فرصة لاستغلال هذا الانقسام. لذلك، فإنّ أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تسبقها محاولة جدية لتوحيد الرؤية، أو على الأقل الاتفاق على الخطوط العريضة.
أما البديل عن التفاوض، فهو ليس بالضرورة أفضل. فالاستمرار في حالة اللاسلم واللاحرب يحمل في طياته مخاطر دائمة، وقد يؤدي في أي لحظة إلى انفجار واسع لا يملك لبنان القدرة على تحمّله. وفي ظل الانهيار الاقتصادي، فإنّ أي مواجهة عسكرية جديدة قد تكون أكثر كلفة بكثير من سابقاتها، ليس فقط على مستوى البنية التحتية، بل على مستوى بقاء الدولة نفسها.
لذلك، فإنّ المقاربة الأكثر واقعية قد تكون في القبول بفكرة التفاوض المباشر، ولكن ضمن استراتيجية واضحة، تحدد الأهداف الممكنة، وتضع سقوفًا للتنازلات، وتسعى إلى تحقيق توازن نسبي، ولو محدود. فالمسألة ليست في شكل التفاوض بقدر ما هي في مضمونه ونتائجه.
في النهاية، قد لا يكون التفاوض المباشر خيارًا مريحًا، لكنه قد يكون الخيار الوحيد المتاح في ظل المعطيات الحالية. وبين الانتظار المفتوح والمخاطر المتزايدة، يبدو أنّ لبنان أمام استحقاق لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية. فالتفاوض، ولو طال الزمن، قد يتحول من احتمال إلى حتمية، والسؤال لم يعد إذا كان سيحدث، بل كيف ومتى وبأي شروط.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us