العفو العام: عدالة لا صفقة


خاص 11 أيار, 2026

إذا كانت العدالة مطلباً محقاً، لا يجوز لهذه العدالة أن تكون مجتزأة، بل يجب أن تطال الذين أُبعدوا قسراً إلى إسرائيل ولا يزالون يعانون هذه المأساة منذ عقدين ونصف.. فلبنان اليوم بحاجة إلى قانون عفو يعيد الثقة بالدولة، لا إلى تسوية جديدة تعمق الانقسامات

كتب يوسف دياب لـ”هنا لبنان”:

في ظل الحرب الدموية التي يعيشها لبنان، عاد قانون العفو العام ليتصدّر واجهة النقاش السياسي والشعبي، ليس باعتباره مادة خلافية جديدة، بل بوصفه حاجة ملحة لمعالجة ملفات متراكمة تحولت مع الوقت إلى قنابل اجتماعية وأمنية موقوتة. فالسجون اللبنانية التي تجاوزت قدرتها الاستيعابية بأضعاف، تضم آلاف الموقوفين الذين ينتظر بعضهم المحاكمة منذ سنوات طويلة، فيما تتفاقم الأزمات القضائية والإنسانية يوماً بعد يوم، الأمر الذي يجعل من إقرار قانون عادل ومتوازن ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها.
غير أنّ المشكلة الأساسية التي رافقت هذا الملف منذ سنوات، تكمن في إخضاعه لمنطق التجاذبات السياسية والطائفية، بحيث بات كل فريق ينظر إلى العفو من زاوية مصالحه وحساباته الخاصة، لا من زاوية العدالة الوطنية الشاملة. وفي كل مرة يُطرح فيها المشروع، تتحول النقاشات إلى بازار سياسي وطائفي يفقد القانون روحيته الأساسية، ويُدخل البلاد في سجالات تزيد الانقسام بدل أن تقدم حلولاً فعلية.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى إخراج قانون العفو العام من الحسابات الفئوية الضيقة، ووضعه ضمن إطار وطني وقانوني متكامل يراعي العدالة وحقوق الإنسان ويحفظ في الوقت نفسه هيبة الدولة وحقوق الضحايا. فالعفو يجب مقاربته على أنه قضية إنسانية عادلة، لا أن يكون صفقة سياسية عابرة، ولا أداة انتخابية تستثمرها القوى المختلفة لاسترضاء جمهورها، بل خطوة إصلاحية تعالج اختلالات تراكمت بفعل التعطيل السياسي والبطء القضائي وغياب العدالة المتوازنة.
وفي صلب هذا النقاش، يبرز ملف الموقوفين الإسلاميين بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، خصوصاً في ظل شعور واسع داخل البيئة السنية بوجود ظلم لحق بعدد كبير من هؤلاء الموقوفين الذين أمضى بعضهم سنوات طويلة خلف القضبان من دون محاكمات عادلة أو سريعة. كما أنّ قضية الشيخ أحمد الأسير ورفاقه تبقى من أبرز العناوين المثيرة للجدل، بين من يعتبر أنّ الملف أخذ أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب القضائي، ومن يرى أنّ العدالة يجب أن تأخذ مجراها بعيداً عن أي ضغوط أو استنسابية.
لكن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم عبر الخطابات الشعبوية أو من خلال الاستثمار السياسي والطائفي، بل عبر مقاربة قانونية شفافة تضمن حقوق الجميع، وتعيد الاعتبار لمبدأ العدالة المتوازنة التي لا تستثني أحداً ولا تستهدف أحداً. فالدولة القوية لا تُبنى بالانتقائية، بل بتطبيق القانون بمعايير موحدة على جميع المواطنين.
في المقابل، لا يقل ملف المبعدين إلى إسرائيل تعقيداً وحساسية، إذ يتطلب بدوره مقاربة هادئة ومسؤولة توازن بين الاعتبارات الوطنية والإنسانية والقانونية. فهناك من تورط في التعامل مع إسرائيل بشكل مباشر ويجب أن يخضع للقضاء وفق القوانين المرعية، لكن هناك أيضاً حالات إنسانية واجتماعية تحتاج إلى دراسة دقيقة بعيداً عن التعميم والانفعالات السياسية. ولذلك، فإنّ أي مقاربة جدية لهذا الملف يجب أن تستند إلى معايير واضحة تفرق بين من ارتكب جرائم موصوفة وبين من وجد نفسه في ظروف معقدة خلال سنوات الاحتلال والحروب.
أما ملف الملاحقين بقضايا المخدرات، فهو الأكثر دقة وخطورة، لأنه يرتبط بأمن المجتمع اللبناني والعربي على حد سواء. فلا يمكن لأي قانون عفو أن يتحول إلى مظلة لحماية كبار تجار المخدرات وأصحاب الشبكات المنظمة الذين أغرقوا لبنان والمنطقة بسموم الكبتاغون، وكانت أعمالهم سبباً مباشراً في الإساءة إلى صورة لبنان وتعكير علاقاته مع الدول الخليجية الشقيقة التي لطالما احتضنت اللبنانيين ووقفت إلى جانبهم في أصعب الظروف.
في الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل وجود فئات من الشباب وصغار السن والطلاب الذين جرى التغرير بهم أو استغلالهم في قضايا محدودة تتعلق بالمخدرات.
وهؤلاء يحتاجون إلى معالجة مختلفة تقوم على إعادة التأهيل ومنح فرصة جديدة للحياة، لا على تدمير مستقبلهم بالكامل. ومن هنا، فإنّ المطلوب هو قانون مدروس بدقة يميز بين الضحية والمجرم الحقيقي، وبين من وقع في الخطأ وبين من حوّل تجارة الموت إلى مشروع منظم عابر للحدود.
وإذا كانت العدالة مطلباً محقاً، لا يجوز لهذه العدالة أن تكون مجتزأة، بل يجب أن تطال الذين أُبعدوا قسراً إلى إسرائيل ولا يزالون يعانون هذه المأساة منذ عقدين ونصف، خصوصاً النساء والأطفال الذين لا ذنب لهم ولم يكن لهم خيار في أن يكونوا مع جيش لبنان الجنوبي، أو الأطفال الذين وُلدوا في إسرائيل ولم يكونوا جزءاً من كل الصراعات السياسية التي أوصلتهم إلى إسرائيل.
إنّ لبنان اليوم بحاجة إلى قانون عفو يعيد الثقة بالدولة، لا إلى تسوية جديدة تعمق الانقسامات. فحين تصبح العدالة فوق الطوائف والمصالح، يمكن للعفو أن يتحول من مادة خلافية إلى خطوة إنقاذية تعيد شيئاً من التوازن والاستقرار إلى بلد أنهكته الأزمات والانقسامات.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us