تفاوضٌ بين نارَيْن!

استطاع رئيس الجمهورية جوزاف عون أن ينسج قناة تواصل مباشرة وفعّالة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي علاقة يصف المطّلعون على تفاصيلها بأنّها تتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى مستوى شراكة سياسية جدية.
كتب أسعد بشارة لـ”هنا لبنان”:
تسير المفاوضات المباشرة وسط حقلٍ من الألغام السياسية والإقليمية، إذ تبدو الشرعيّة اللبنانيّة وكأنها تخوض تفاوضًا بين نارَيْن: نار إسرائيل التي لا تريد للبنان أن يخرج من دائرة الضّغط الأمني المفتوح، ونار إيران التي لا ترغب في أن تستعيد الدولة اللبنانية قرارها السيادي الكامل بعيدًا عن نفوذها المباشر.
الطرفان، على تناقضهما الظّاهري، يلتقيان عند نقطة واحدة: عدم السماح بقيام دولة لبنانية قوية تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم. إسرائيل ترى أنّ بقاء لبنان في حالة هشاشةٍ داخليةٍ يمنحها هامشًا واسعًا للمناورة العسكرية والسياسية، واحتفاظها بأوراق الضغط. أمّا إيران، فتعتبر أنّ أيّ تعزيز فعلي لمؤسّسات الدولة اللبنانية يعني تلقائيًّا تقليص دور أذرعها المحلية، وفي مقدمتها “حزب الله”، وبالتالي خسارة إحدى أهم ساحات نفوذها في المنطقة.
من هنا، تبدو المفاوضات وكأنّها مواجهة دقيقة بين مشروع الدولة ومشاريع الوصاية المتعدّدة. فكلّ خطوة باتجاه تثبيت سلطة المؤسسات الشرعية تصطدم بحسابات إقليمية لا ترى في لبنان دولةً مكتملة السيادة، بل ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
غير أن ما يمنح هذا المسار زخمًا استثنائيًّا هو النجاح الذي حققته الشرعيّة اللبنانية في بناء علاقة متينة مع الإدارة الأميركية. فقد استطاع رئيس الجمهورية جوزاف عون أن ينسج قناة تواصل مباشرة وفعّالة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي علاقة يصف المطّلعون على تفاصيلها بأنّها تتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى مستوى شراكة سياسية جدية.
هذه العلاقة تفتح أمام لبنان فرصةً تاريخيةً لاستعادة موقعه الطبيعي كدولة سيدة قادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها. وإذا أحسن لبنان استثمار هذا الدعم الدولي، فقد يكون أمام تحوّلٍ كبيرٍ يُعيد رسم المشهد السياسي، وينقل البلاد من مرحلة الارتهان إلى مرحلة الدولة الفعليّة التي يلتقي عندها اللبنانيون تحت سقف شرعيّةٍ واحدةٍ لا يُنازعها أحد.
على طاولة التفاوض المباشر ستُختبر محاولات إرساء اتفاق وقف إطلاق النار، وكذلك ستُعرف ملامح المرحلة المقبلة.
مواضيع مماثلة للكاتب:
البهورة الإيرانية وصلابة الدولة اللبنانيّة | لماذا لا يستطيع الحزب إسقاط الحكومة؟ | إيران تفشل في الوصاية على ملف لبنان |




