نزع السّلاح مطلب لبناني أم إسرائيلي؟

المطالبة بحصرية السلاح ليست اصطفافًا خلف إسرائيل، بل اصطفاف خلف فكرة لبنان نفسه، بدولة واحدة وجيش واحد وقرار سيادي واحد. أمّا تحويل كل نقاش داخلي إلى تهمة “خدمة إسرائيل”، فهو عمليًّا إلغاء لأي حقّ لبناني بمناقشة مستقبل دولته وسيادتها.
كتب بشارة خير الله لـ”هنا لبنان”:
في كلّ مرّة يُطرح فيها ملف سلاح “حزب الله” داخل النقاش اللبناني، يُسارع جمهور الحزب إلى اتّهام المطالبين بحصرية السلاح بأنهم يردّدون أو يتبنّون “المطلب الإسرائيلي”.
لكنّ الحقيقة السياسية والتاريخية تقول العكس، لأن مطلب نزع السلاح لم يولد في تل أبيب، بل وُلد في النصوص اللبنانية والدولية التي تعاطى معها لبنان الرسمي منذ عقود.
فمنذ اتفاق الطائف عام 1989، كان هناك توجّه واضح نحو بناء دولة تحتكر قرار الحرب والسلم. صحيح أنّ الاتفاق لم يستخدم عبارة “نزع سلاح حزب الله” بشكل مباشر، لكنّه تحدث بوضوح عن بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وعن حلّ الميليشيات وتسليم أسلحتها. أي أن فلسفة الطّائف قامت أساسًا على مبدأ حصريّة السلاح بيد الشرعية اللبنانية.
لاحقًا، جاء القرار 1559 عام 2004 ليحوّل هذا النّقاش إلى مطلب دولي واضح، حين دعا إلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها.
ثم تتابعت القرارات الدولية من 1680 إلى 1701، وكلّها أعادت التأكيد على فكرة واحدة مفادها أنّه لا استقرار فعليًّا في لبنان طالما هناك سلاح خارج إطار الدولة.
حتّى في الداخل اللبناني، لم يكن هذا الطرح حكرًا على فريق سياسي معيّن. “إعلان بعبدا” عام 2012، الذي شاركت فيه قوى مختلفة بينها “حزب الله” نفسه، دعا إلى تحييد لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية، وهو أمر يستحيل تطبيقه عمليًّا طالما قرار الحرب مرتبط بتنظيم مسلح يتجاوز مؤسسات الدولة.
لذلك، فإنّ اختصار كل هذا المسار التاريخي والسياسي بعبارة “هذا مطلب إسرائيلي” هو محاولة للهروب من أصل النقاش.
فالإسرائيلي لم يخترع فكرة حصرية السلاح، بل ربما تأخر في فهم أنّ جزءًا كبيرًا من اللبنانيين يطالب بها منذ سنوات طويلة، انطلاقًا من مفهوم الدولة لا من أي تناغم مع الخارج.
المطالبة بحصرية السلاح ليست اصطفافًا خلف إسرائيل، بل اصطفاف خلف فكرة لبنان نفسه، بدولة واحدة وجيش واحد وقرار سيادي واحد.
أمّا تحويل كل نقاش داخلي إلى تهمة “خدمة إسرائيل”، فهو عمليًّا إلغاء لأي حق لبناني بمناقشة مستقبل دولته وسيادتها.
اليوم، قد يكون الإسرائيلي يرفع الشعار نفسه، لكن ذلك لا يعني أنّ اللبناني الذي يُطالب بالدولة أصبح “إسرائيليًّا”، بل ربما يعني فقط أنّ إسرائيل بدأت، متأخرةً، بترداد ما تقوله مجموعة من اللبنانيّين منذ عقود، بدأت بالعشرات، قبل أن تنتشر عدواها، بعد أن طفح الكيل من ميليشيا استجلبت الخراب والدمار.
مواضيع مماثلة للكاتب:
دموعٌ في طهران وصمتٌ على أنقاض لبنان… “إبكِ بترتاح”! | حين يصبح الجنوب أول الرابحين! | أميركا تفاوض بالدولة… وتُطمئن إيران بالحزب! |




