25 أيار… والملعب الكبير


خاص 25 أيار, 2026

تبدو ذكرى 25 أيار هذا العام، لبنانياً، أقلّ احتفالاً وأكثر إيلاماً. فجولات الحرب المتمادية، أعادت فتح أسئلة كان يُعتقد أنّها حُسمت منذ سنوات. ما قيمة أي انتصار إذا كانت نتائجه لا تُنتج استقراراً؟ وما معنى التحرير إذا بقيت القرى نفسها مهدّدة أو مدمّرة، وسكانها يدفعون مجدداً أثمان الحرب والنزوح… والدماء؟

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

يصعب أن يمرّ الخامس والعشرون من أيار كأيّ يومٍ عابر؛ لأنّه بات يحمل أكثر من معنى وأكثر من رواية. عالمياً، تحوّل هذا اليوم إلى مناسبة للاحتفاء بقيمة تتجاوز الرياضة نفسها؛ قيمة تقوم على قواعد واضحة، وعلى فكرة بديهية مفادها أنّ المنافسة لا تعني الإلغاء، وأنّ الخلاف لا يُدار بالغلبة، بل بالاحتكام إلى قواعد واحدة تُطبَّق على الجميع.
في النموذج الذي يحتفل به العالم في 25 أيار، لا أحد فوق القانون. الحَكم مرجعية، والمخالفة تُحاسَب، والنتائج تُحسم بالأداء لا بفرض الوقائع أو فائض القوة. الفريق لا يقوم على لاعب واحد مهما علا شأنه، والانتصار لا يتحقق بالاستقواء، بل بالتنسيق والانضباط واحترام الأدوار. الخاسر يعود إلى المنافسة، والخصومة لا تتحوّل إلى مشروع دائم للكسر أو الإلغاء أو الاغتيال السياسي والمعنوي.
ليست رمزية هذا اليوم تفصيلاً. فحين اعتمدت الأمم المتحدة الخامس والعشرين من أيار يوماً عالمياً لكرة القدم عام 2024، لم يكن الهدف الاحتفال بلعبة شعبية فحسب، بل الاعتراف بدورها في بناء مساحات مشتركة بين المجتمعات، وخلق لغة تتجاوز الحدود والانقسامات السياسية والثقافية والطائفية، وتمنح الشباب أملاً وفرصاً بدل تحويلهم إلى وقود صراعات مفتوحة وضحايا لحسابات جهنمية.
غير أنّ المفارقة اللبنانية تبدو هذا العام أكثر قسوة. ففي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بيوم يرتكز إلى فكرة التعاون واحترام القواعد والقانون، حُرم لبنان ذكرى أخرى مثقلة بالأسئلة الثقيلة. ذكرى ارتبطت منذ عام 2000 بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وبسردية التحرير التي تحوّلت لاحقاً، بالنسبة إلى “البعض”، من محطة وطنية جامعة إلى أداة نفوذ سياسي واستثمار سلطوي وانتخابي، بعدما احتُكرت روايتها وتفرّعت منها موازين قوى داخلية تجاوزت فكرة الدولة نفسها.
بالنسبة إلى هذا “البعض”، شكّل 25 أيار محطة، كرّست دور “المقاومة” في دحر الاحتلال. أمّا بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، فإنّ السنوات التي تلت الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 طرحت أسئلة مختلفة تماماً، تتمحور حول ما إذا كانت لحظة التحرير تحوّلت إلى فرصة ضائعة لبناء دولة كاملة الأركان، أو إلى مسار كرّس السلاح الميليشيوي ووسّع نفوذ واقع موازٍ للدولة، قضم فاعليّة مؤسساتها.
لم يعد النقاش يدور راهناً، حول ما تحقق عام 2000 بحد ذاته، بل حول كلفة التفريط بنتائج التحرير. حروب متكررة تسبب بها مدّعو التحرير، دمار واسع، نزوح متواصل، وقرى حدودية دفعت أثماناً باهظة. الجنوب الذي دخل مرحلة استقرار وإعادة إعمار بعد الانسحاب، عاد مراراً إلى واجهة المواجهات، فيما وجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد يتكرّر كل بضع سنوات؛ منازل مدمّرة، قرى متضرّرة، وأهالٍ يستنزفون تحت وطأة الخوف من اللاعودة.
المفارقة تصبح أكثر حدّة عند المقارنة بين الذكرى العالمية واللبنانية؛ وبين منطق الدولة ومنطق الغلبة. ففي أي نظام مستقر أو لعبة، لا جهة تضع القواعد وتكسرها في الوقت نفسه، ولا يمكن اختزال القرار الوطني بإرادة حزبٍ واحد مهما كانت شعاراته أو حجمه. الدول لا تُدار بمنطق اللاعب الأوحد، بل بمؤسسات قادرة على ضبط التوازنات ومحاسبة “المتهورين” ومنع الانزلاق إلى مغامرات مفتوحة.
كرة القدم تعلّم العالم، أنّ الفريق الذي يختزل نفسه بنجم واحد يصبح هشّاً مهما بلغت مهاراته، وأنّ الفوضى تُفسد أي مباراة مهما كانت الاندفاعة كبيرة. أمّا في السياسة اللبنانية، فقد أثبتت التجارب أنّ تفرد أي مكوّن بالقرار، وتعطيل انتظام عمل المؤسسات، وتغليب منطق القوة على منطق الدولة، عوامل تدفع لبنان إلى ما يشبه الانتحار الجماعي.
لذلك، تبدو ذكرى 25 أيار هذا العام، لبنانياً، أقلّ احتفالاً وأكثر إيلاماً. فجولات الحرب المتمادية، أعادت فتح أسئلة كان يُعتقد أنّها حُسمت منذ سنوات. ما قيمة أي انتصار إذا كانت نتائجه لا تُنتج استقراراً؟ وما معنى التحرير إذا بقيت القرى نفسها مهدّدة أو مدمّرة، وسكانها يدفعون مجدداً أثمان الحرب والنزوح… والدماء؟
في السياسة، لا تكفي الرمزية وحدها لحماية الذكريات من الاهتراء. فالمحطات الوطنية الكبرى تُقاس بما تُنتجه من دولة واستقرار ومؤسسات، لا بقدرتها على البقاء شعاراً أو عيداً عقيماً.
وربما تكمن مفارقة 25 أيار اليوم في أنّ العالم يحتفل بملعب كبير تحكمه القواعد، فيما لا يزال لبنان عالقاً في ساحة تتقاذفه المشاريع الجهنمية، ويجد اللبنانيون أنفسهم أشبه بكرة تتنازعها الحسابات الإقليمية والدولية.
وبين ملعبٍ تُحسم فيه النتائج بصفارة الحكم، وبلدٍ تحولت ملاعبه مراكز إيواء… وتشييع، يبقى السؤال الأكبر كيف يمكن استعادة دولة تُخرج لبنان من موقع الساحة التي يُلعب فيها وعليها… إلى موقع اللاعب الطبيعي الفاعل، والقادر على الانخراط مع المجموعة العربية والدولية في ضمان حماية أرضه وشعبه ومستقبله… والمساهمة في صناعة سلام المنطقة وأمانها؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us