السلام إلى لبنان قبل فوات الأوان

لبنان اليوم أمام لحظةٍ مصيريةٍ. إمّا أن يختار طريق التهدئة والحوار وبناء الدولة، وإمّا أن يستمرّ في دوّامة الصراعات التي أثبت التاريخ أنّها لا تنتج سوى المزيد من الدمار. وكلّ يوم تأخيرٍ في الوصول إلى تسويةٍ حقيقيةٍ يزيد من كلفة الإنقاذ لاحقًا.
كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:
يقف لبنان اليوم على حافّةٍ من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، ليس فقط بسبب الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، أو التفكّك السياسي والمؤسّساتي، بل لأنّ شبح الحرب والدمار عاد ليخيّم فوق البلاد في لحظةٍ تبدو فيها الدولة عاجزة عن تحمّل أي صدمة جديدة. وفي ظلّ التصعيد العسكري المستمرّ على الحدود الجنوبية، والانقسام الداخلي الحادّ، والتدهور الاجتماعي المُتسارع، يُصبح الحديث عن السلام ليس ترفًا سياسيًّا أو شعارًا أخلاقيًّا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ وطن يتآكل يومًا بعد يوم. فكلّ تأخير في تثبيت السلام سيعني مزيدًا من الخراب، ومزيدًا من النّزيف البشري والاقتصادي، وربما ضياع ما تبقّى من الدولة اللبنانية.
لقد دفع لبنان أثمانًا باهظةً خلال العقود الماضية بسبب الحروب والصراعات الإقليمية. فمن الحرب الأهلية التي استمرّت خمسة عشر عامًا، إلى الاجتياحات الإسرائيلية المتكرّرة، وُصولًا إلى الصدامات الداخلية والأزمات السياسية، لم يعرف اللبنانيون استقرارًا طويل الأمد يسمح ببناء دولةٍ طبيعيةٍ. وفي كلّ مرة كان اللبنانيون يعتقدون أنّهم اقتربوا من الخروج من دوّامة العنف، كانت البلاد تُدفع مُجدّدًا إلى مواجهةٍ جديدةٍ، غالبًا نتيجة صراعات تتجاوز حدود لبنان نفسه.
اليوم، يبدو الوضع أكثر خطورةً من أي وقت مضى، لأنّ لبنان لم يعد يمتلك الحدّ الأدنى من المناعة الاقتصادية والاجتماعية التي تساعده على تحمّل الحروب. وفي ظلّ هذا الواقع، فإنّ أيّ حرب واسعة لن تكون مجرّد مواجهة عسكرية، بل ستكون إعلانًا فعليًّا عن انهيار ما تبقّى من الدولة والمجتمع.
إنّ الجنوب اللبناني الذي تحوّل مُجدّدًا إلى ساحة اشتباك يدفع الثمن الأكبر. القرى المدمّرة، والنّزوح الجماعي، والخوف اليومي من الموت، كلّها مشاهد تُعيد اللبنانيّين إلى ذاكرة الحروب السابقة التي لم تُخلّف سوى الدمار. لكنّ الفارق اليوم أنّ لبنان المُنهك اقتصاديًا لم يعد قادرًا على إعادة الإعمار كما حدث بعد حرب 2006، ولا توجد ضمانات دولية أو عربية بأنّ المساعدات ستتدفّق كما في السابق. وهذا يعني أنّ أيّ مواجهة طويلة قد تترك آثارًا مدمرةً لعقودٍ.
السلام بالنسبة إلى لبنان ليس استسلامًا، كما يحاول البعض تصويره، بل هو حماية للنّاس وللدّولة ولمستقبل الأجيال القادمة. فالأوطان لا تُبنى بالحروب المفتوحة، بل بالاستقرار والمؤسّسات والاقتصاد والتعليم. والدول التي نجحت في النّهوض بعد الأزمات الكبرى لم تفعل ذلك عبر استمرار النزاعات، بل عبر التسويات السياسية وبناء المصالح المشتركة. أمّا المجتمعات التي تبقى أسيرة الحروب الدائمة، فإنّها تتحوّل تدريجيًّا إلى ساحات خراب وهجرة وفقر.
لقد أثبتت التجارب أن لبنان هو الخاسر الأكبر في أيّ صراعٍ إقليميٍّ. فعندما تتواجه القوى الكبرى أو المحاور الإقليمية، يتحول البلد الصغير إلى ساحة رسائل عسكرية وسياسية، بينما يدفع المواطن اللبناني وحده الثمن من أمنه واقتصاده ومستقبله. ولذلك فإنّ مصلحة لبنان الحقيقيّة تكمن في تحييد نفسه عن الصراعات الخارجية، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة التي تحتكر قرار الحرب والسلم، لأنّ استمرار تعدّد مراكز القرار يعني بقاء لبنان عرضةً للاهتزاز والانفجار في كلّ لحظة.
ولا يمكن الحديث عن السلام من دون الاعتراف بأنّ المجتمع اللبناني نفسه بات مُتعبًا من الحروب. فجيل كامل نشأ وسط الأزمات والانهيارات والانقسامات، ولم يعرف معنى الاستقرار الحقيقي. الشباب اللبناني اليوم لا يحلم بالبطولات العسكرية، بل بفرصة عمل، وكهرباء مستقرّة، وجامعات محترمة، ومستقبل آمن داخل وطنه. لكن استمرار التوتّرات يدفع آلاف الشباب إلى الهجرة، ما يعني أنّ لبنان يخسر تدريجيًّا طاقاته البشرية وقدرته على النهوض.
كما أنّ السّلام ضرورة اقتصادية عاجلة. فلا استثمارات يمكن أن تأتي إلى بلدٍ يعيش على حافّة الحرب، ولا سياحة يمكن أن تزدهر في ظلّ القصف والتهديدات، ولا إصلاحات يمكن أن تنجح وسط الفوضى الأمنية. إنّ أيّ مشروع لإنقاذ الاقتصاد اللبناني يبدأ أولًا من تثبيت الاستقرار الأمني والسياسي. فالعالم لا يساعد الدول التي تبدو غارقةً في صراعاتٍ مفتوحةٍ من دون أفق.
إلى جانب ذلك، فإنّ استمرار التصعيد العسكري يحمل خطر الانزلاق إلى حرب شاملة قد تتجاوز قدرة جميع الأطراف على التحكّم بنتائجها. فالحروب تبدأ أحيانًا بحساباتٍ محدودةٍ، لكنّها تتوسّع سريعًا بفعل الأخطاء والتصعيد المتبادل. وفي منطقةٍ شديدة التعقيد مثل الشرق الأوسط، فإنّ أيّ انفجار كبير قد يجرّ لبنان إلى كارثة إنسانية جديدة لا أحد يعرف حدودها.
إنّ الدعوة إلى السلام لا تعني تجاهل الحقوق الوطنية أو القضايا العادلة، بل تعني البحث عن وسائل عقلانية لحماية هذه الحقوق من دون تدمير البلاد. فالقوة الحقيقيّة لأي دولة لا تقاسُ فقط بقدرتها العسكرية، بل بقدرتها على حماية شعبها وتأمين الاستقرار والازدهار له. والدولة التي يخاف شعبها من الغد، وتنهار مؤسساتها، وتفرغ من شبابها، تصبح دولةً مهدّدةً حتّى لو امتلكت السلاح.
لبنان اليوم أمام لحظةٍ مصيريةٍ. إمّا أن يختار طريق التهدئة والحوار وبناء الدولة، وإمّا أن يستمرّ في دوّامة الصراعات التي أثبت التاريخ أنّها لا تنتج سوى المزيد من الدمار. وكلّ يوم تأخيرٍ في الوصول إلى تسويةٍ حقيقيةٍ يزيد من كلفة الإنقاذ لاحقًا.
لقد آن الأوان ليُدرك الجميع أنّ حماية لبنان تبدأ من حماية السلام فيه. فالوطن الذي تعب من الحروب يستحقّ فرصةً للحياة، والشعب الذي عانى لعقودٍ يستحق أن يعيش بكرامةٍ وأمان. وربّما تكون أكبر شجاعة سياسية اليوم ليست في إطلاق الشعارات النّارية، بل في اتخاذ القرار الصعب: قرار إنقاذ لبنان قبل فوات الأوان.
مواضيع مماثلة للكاتب:
مَن هم تحت القانون يُموِّلون مَن هم فوق القانون! | الحرب الأخيرة: إسرائيل – حزب الله… هل اقتربت صفَّارة النهاية؟! | أيّ اتفاق أميركي – إيراني يكشف حزب الله |




