منافقون بلا حدود


خاص 3 حزيران, 2026

 

عندما يعلن ترامب أنه تواصل مع الحزب عبر وسيط أو “صديق”، لا نسمع صراخ التخوين، ولا تُفتح دفاتر السيادة الممزقة، ولا يُتّهم أحد ببيع القرار الوطني.. لكن فجأة، وبمجرد أن يتحرك رئيس الجمهورية جوزاف عون لإنقاذ البلد من حرب مفتوحة عبر قنوات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة، يتحول المشهد إلى محكمة تخوين جاهزة

كتب أسعد بشارة لـ”هنا لبنان”:

في هذا الشرق الذي لا يتقن سوى لعبة الأقنعة، تبدو “الممانعة” كما لو أنها جهاز أخلاقي متكامل… إلى أن تلمس تناقضاته فينكشف كل شيء دفعة واحدة. هنا لا توجد ثوابت، بل مزاج سياسي يتبدل حسب الجهة التي تتكلم، لا حسب الفعل نفسه.
عندما يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه تواصل مع حزب الله عبر وسيط أو “صديق”، لا نسمع صراخ التخوين، ولا تُفتح دفاتر السيادة الممزقة، ولا يُتّهم أحد ببيع القرار الوطني. بل يُمرَّر الخبر كجزء من “واقعية سياسية” تفرضها الوقائع. وعندما يقول الرئيس نبيه بري (وهو محقّ) في حوار مع نيويورك تايمز إنّ مفتاح وقف إطلاق النار ليس في بيروت بل في واشنطن، يصبح الكلام توصيفاً دقيقاً للمعادلة الدولية، لا مساساً بالموقف ولا خيانة للمبدأ.
لكن فجأة، وبمجرد أن يتحرك رئيس الجمهورية جوزاف عون في مساحة المسؤولية التاريخية لإنقاذ البلد من حرب مفتوحة عبر قنوات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة، يتحول المشهد إلى محكمة تخوين جاهزة. تُرفع الشعارات، تُستحضر السيادة، ويُتّهم الرجل وكأنّ مجرد محاولة وقف النار هي جريمة سياسية مكتملة الأركان.
هنا تحديداً تظهر “الممانعة” كما هي: خطاب مزدوج، أخلاقي بالواجهة، انتهازي في الجوهر. ممانعة لا تمانع التفاوض مع الخارج حين يخدم مصالحها، لكنها تعتبر التفاوض من الداخل خيانة وطنية. ممانعة تقبل الوساطات الدولية والإقليمية، لكنها تحرّم على الدولة اللبنانية ما تبيحه لنفسها ولحلفائها.
إنها مفارقة لا تحتاج إلى كثير من التحليل: كل ما يأتي من خارج الدولة اللبنانية يُغلف بالواقعية، وكل ما يصدر عن مؤسسات الدولة يُتّهم بالارتهان. هذه ليست مقاومة، بل انتقائية سياسية مفضوحة، تستخدم السيادة كأداة ضغط لا كمبدأ ثابت.
وفي خلفية هذا المشهد، يتصرف حزب الله وكأنّ الخسائر المتراكمة في الجنوب مجرد تفاصيل جانبية في معركة أكبر، وكأنّ دم اللبنانيين يمكن إدراجه في خانة “التكريم السياسي” لمعادلات إقليمية تتجاوز حدود الدولة ومصالحها.
المشكلة لم تعد في الحرب فقط، بل في هذا النفاق السياسي الذي يحدّد قيمة الفعل بحسب الجهة التي تقوم به، لا بحسب أثره على لبنان. نفاق يجعل من وقف الحرب خيانة إذا صدر عن الدولة، و”حكمة” إذا مرّ عبر وسطاء الخارج.
ويبقى السؤال الأكثر قسوة: هل ما زال في هذا البلد من يميّز بين الدولة كفكرة، وبين الشبكات التي تتحدث باسمها حين تشاء وتطعنها حين تشاء؟ أم أننا أمام مرحلة يصبح فيها النفاق السياسي هو اللغة الرسمية الوحيدة، بلا منافس وبلا حدود؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us