استهداف الضاحية باعتبارها إيرانية

قلق عميق في إسرائيل بشأن تفاصيل الاتفاق الناشئ مع إيران. وتتركّز مخاوفهم على سلسلة من نقاط الضعف الكبرى والأسئلة التي لم تجد إجابة، بما في ذلك مليارات الدولارات المتوقع أن تتدفق إلى خزائن النظام. بدلًا من تمهيد الطريق لانهياره النهائي، ويخشون أن يسمح الاتفاق للنظام ليس فقط بالبقاء بل بأن يخرج أقوى.
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
فقدت الضاحية الجنوبية مجددًا الحماية التي شملها وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران. وقالت إسرائيل إنّها شنّت أمس غارةً على هدف تابع لـ”حزب الله” في منطقة الغبيري بعدما أطلق الحزب النار باتجاه إسرائيل. وذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن المستهدف في الغارة هو مسؤول منظومة الاتصالات في “حزب الله”.
وكانت غارة إسرائيلية مماثلة قبل أسبوع أثارت تبادلًا لإطلاق النار بين إسرائيل وإيران، ما هدّد بتعطيل اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه إنهاء الحرب الأوسع نطاقا.
ماذا تغيّر حتى سقط سريعًا وقف النار فيما خصّ ضاحية بيروت الجنوبية؟
يأتي الجواب من سلسلة تطوّرات ومواقف في الأسبوع الماضي. وبرزت خلالها حالة انتصارية عند إيران و”حزب الله” ركّزت على مدى نفوذ طهران والضاحية في فرض معادلة الحماية لمعقل الحزب على الرغم من اعتراض إسرائيل. وسرعان ما وظّفت إيران و”حزب الله” ما اعتبرته “انتصارًا” ضدّ المفاوضات التي تجري بين الدولة اللبنانية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية.
وهكذا، تصرّف “حزب الله” وكأنّه هو الطرف اللبناني الوحيد في الاتفاق الشامل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. وصعّد في هذا الإطار من حملته على الدولة التي لا تمتثل لدعوته إلى الانسحاب من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل والاتكال على الاتفاق الإيراني الأميركي فقط. وذهب الحزب في هذا الاتجاه ليقول إن معادلة الضاحية مقابل شمال إسرائيل ما كان للبنان أن ينعم بها لولا تمسّك طهران بها.
يعلم “حزب الله” أن الحرب التي فتحها هو في 2 آذار ضد إسرائيل تسبّبت بكوارث ضدّ لبنان لم يسبق لها مثيل في تاريخ هذا الكيان. لكنّه يتحاشى الكلام عن هذه المسؤولية التي يتحمّلها بصفته ذراعًا إيرانيةً ينفذ أوامر طهران ولا يعترض. ولكنه يصرّ على التمسك بأهداب اتفاق طهران وواشنطن حتى ولو أن الأمر يقتصر على عبارة يتيمة “يشمل اتفاق وقف النار لبنان”.
يظهر إصرار الحزب على إسناد “فضل” وقف النار لمرجعيّته الإيرانية أنه متمرّد على مرجعيّة الدولة اللبنانية التي تتحضّر لجولة المفاوضات المقبلة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة في 22 حزيران الجاري. ويعني هذا التمرّد أن “حزب الله” مصرّ بقرار إيراني على البقاء ميليشيا تحمل السلاح خارج سلطة الدولة، في حين أنّ مسار المفاوضات سيُفضي حتمًا إلى نزع هذا السلاح. وقد لخّص هذه الحقيقة ما صرّح به رئيس الجمهورية جوزاف عون أخيرًا: “بأن لبنان يقف أمام استحقاق مصيري: إمّا أن يُجمع أبناؤه على دولة سيدة تحتكر السلاح وتسود القانون، وإمّا أن يظل رهينة منطق الميليشيات وثقافة الإلغاء”.
وفي سياق المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، برعاية أميركية، في 22 حزيران الجاري، قال مصدر لبناني مطّلع على المحادثات لـ”رويترز” إنّ طهران غضبت من قرار بيروت التفاوض بشكل مستقل مع إسرائيل، والذي اعتبرته حرمانًا لإيران من ورقة تفاوضية رئيسية في مواجهتها مع واشنطن.
ويًطالب لبنان بوقف إطلاق نار دائم كأساس للمفاوضات التي تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي كامل وعودة مئات الآلاف من المدنيين النازحين، تحت إشراف الجيش اللبناني.
وتريد إسرائيل تفكيك “حزب الله” كقوة عسكرية، على الأقل في جنوب لبنان، وإثبات زوال قوته قبل التخلّي عن الأراضي المحتلة.
وتشير المعلومات التي واكبت حدث الاتفاق الأميركي – الإيراني إلى أن المنطقة عموما ولبنان خصوصًا لن تقبل عودة الأوضاع إلى سابق عهدها. وتقول صحيفة “الشرق الأوسط” في هذا الصدد: “إنّ تباهي “حزب الله” برهانه على إيران لن يحجب الأنظار عن الضربات القاسية التي ألحقتها به إسرائيل، سواء بسيطرتها على جنوب الليطاني، أو بسعيها للتوسّع إلى شماله، ولن يجد ما يخاطب به حاضنته لتبرير الأخطاء التي ارتكبها بإسناده لغزّة ولاحقًا لإيران، من دون أن يتحسّب لردّ فعل إسرائيل بتوسعتها للحرب التي أدّت لتحويل جنوب الليطاني إلى أرض محروقة لا يصلح العيش فيها”.
وفي تحليل لـ”نيويورك تايمز” قالت الصحيفة الأميركية: “إنّ الوضع الأكثر تفاؤلًا من حالة الانتظار الحالية ستكون اتفاق وقف إطلاق نار دائم، حيث اتفقت الولايات المتحدة وإيران على إعادة فتح مضيق هرمز، مع تأجيل القضية الشائكة لبرنامج إيران النووي إلى مفاوضات لاحقة. وقد يهدّئ ذلك ضربات إيران الصاروخية على دول الخليج. لكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيمنع إسرائيل من مهاجمة “حزب الله”، حليف إيران في لبنان، حيث رفض “حزب الله” وقف إطلاق النار وتؤكد إسرائيل أنها بحاجة للدفاع عن نفسها”.
وواكبت “نيويورك تايمز” التطورات الميدانية الأخيرة في الجنوب فقالت في تقرير: “قدم مسؤولون إيرانيون وإسرائيليون روايات مختلفة حول ما إذا كان لبنان سيدرج في أي اتفاق مع إيران. ويقول المحللون إنّه حتى لو تضمّن الاتفاق لغة وقف إطلاق النار تغطي لبنان، فمن المرجح أن تحتفظ إسرائيل بمجال للاستمرار في ضرب الأهداف”.
كيف بدت الصورة على الجانب الإسرائيلي؟
تجيب صحيفة “جيروزاليم بوست” قائلة: “إن إسرائيل تستعد لاحتمال أن يؤدي الاتفاق الأميركي – الإيراني المعلّق إلى دعوات لوقف التقدم البري لجيش الدفاع الإسرائيلي ضد “حزب الله” في لبنان، حسبما أفادت قناة “KAN News” التي نقلت عن مصادر أمنية إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يستعد لوقف هجماته الأعمق في لبنان لتجنّب الإضرار بالاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه لن ينسحب من المنطقة الأمنية كجزء من ذلك الاتفاق. كما قالت المصادر إن مسألة الانسحاب الكامل لجيش الدفاع الإسرائيلي ستتم مناقشتها مع لبنان خلال المحادثات في واشنطن في وقت لاحق من حزيران”.
بالتوازي، واصلت الفرقة 36 التابعة للجيش الإسرائيلي التقدم شمالًا في لبنان، وفقًا لوكالة الاستخبارات الإسرائيلية، مع بعض التقارير التي تقول إنّهم اقتربوا من مدينة النبطية اللبنانية الكبيرة. وقال الجيش الإسرائيلي: “إن النبطية معقل مهم لـ”حزب الله”، ويجب على الجيش الإسرائيلي اغتنام الفرصة للوصول إلى المدينة”.
إلى ذلك، نقل ثلاثة مسؤولين سياسيين وأمنيين إسرائيليين إلى “i24NEWS”، “القلق العميق في إسرائيل بشأن تفاصيل الاتفاق الناشئ مع إيران. وتتركز مخاوفهم على سلسلة من نقاط الضعف الكبرى والأسئلة التي لم تجد إجابة، بما في ذلك مليارات الدولارات المتوقع أن تتدفق إلى خزائن النظام. بدلًا من تمهيد الطريق لانهياره النهائي، ويخشون أن يسمح الاتفاق للنظام ليس فقط بالبقاء بل بأن يخرج أقوى. وتركز مخاوف إضافية على التفاهمات المبلغ عنها بشأن إدراج لبنان في الإطار واحتمالية وجود قيود كبيرة على حرية إسرائيل في العمل ضد “حزب الله”.
وفي سياق متصل، كتب عبد الرحمن الراشد أمس في “الشرق الأوسط” تحت عنوان “أخطر بند في الاتفاق” يقول: “هل يمكن وقفُ إيرانَ عن تسليح “حزب الله”؟ وهل لو هاجمته إسرائيلُ لمنع تزايدِ قوة الحزب يعدُّ ذلك خرقاً للاتفاق؟”
المقلقُ أكثر أنَّ هذا البندَ غير المؤكّد بعد، بدعوى وقف الاقتتال سيُرسّخ شرعيةَ الميليشيات. فـ”حزب الله” اللبناني قوةٌ مسلحة خارجَ سلطة الدولة، مصنّفة إرهابية لبنانيًا وعربيَّاً وغربيًّا!
ما ستعنيه الاتفاقيةُ في هذه الحالة اعترافٌ ضمنيٌّ أميركيٌّ به كطرفٍ إقليميّ شرعي، وسيتعذّر أيُّ ضغطٍ مستقبلي لتصنيفه أو نزعِ سلاحه. ولا ننسَى أنَّ فيه تكريسًا لظاهرة “الدولة داخل الدولة” في لبنانَ، وكذلك في اليمن، وسيهدّد العراقَ إن كانَ مشمولًا بالاتفاق.
أيضًا، أشكُّ كثيرًا في قدرة واشنطن على السيطرة على إسرائيل التي لن تُوقفَ عملياتِها ضد “حزب الله” في لبنان أو الوجود الإيراني في المنطقة، بحجَّةِ دفاعها الاستباقي عن النفس، وأي ضامن أميركي لن يفلحَ في ردع إسرائيل”.
في أي حال، فتحت الغارة الإسرائيلية الجديدة على الضاحية الجنوبية لبيروت آفاق مناقشة قضية هوية هذه المنطقة وسائر المناطق التي يلوذ بها “حزب الله”. وكأنّ النتيجة النهائية لهذه المناقشة هي أن ما تعرضت له الضاحية ويتعرّض له الجنوب هو بسبب إلصاق الهوية الإيرانية بها. فمتى تصبح هذه المناطق لبنانية نهائيًا؟!
مواضيع مماثلة للكاتب:
مليارات إيران تحترق في النبطية | رئيس الجمهورية لإيران: فاجأناكم مو! | العلم الإسرائيلي في الضاحية؟! |




