إصلاح المصارف والفجوة المالية: مقاربة تُعفي الدولة من مسؤولياتها وتحمّلها للمودعين


خاص 19 حزيران, 2026

بعد نحو سبع سنوات على بدء الأزمة، لا يزال الجدل قائماً حول المقاربات ذاتها، فيما يُطرح سؤال أوسع: هل آن أوان الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها فعلياً، عبر اعتراف واضح بالمسؤوليات وتوزيع عادل وشفاف للخسائر، أم أنّ البلاد ستبقى تدور في حلقة السجال نفسها بانتظار تثبيت مقاربات خارجية لإعادة إنتاج الحلول الداخلية؟

كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:

تسلمت أمس لجنة المال والموازنة في مجلس النواب ملاحظات صندوق النقد الدولي على قانون إعادة هيكلة المصارف، على أن تعقد اجتماعاً يوم الإثنين لمتابعة دراسة القانون وإدخال التعديلات اللازمة عليه قبل إعادة رفعه إلى الهيئة العامة لإقراره بصيغته النهائية.
وكان قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي قد أُقر في 14 آب 2025، بعد مسار نقاشات امتدّ لأكثر من ثلاثة أشهر داخل لجنة المال والموازنة، خُصّص خلالها لقراءة معمّقة لبنود المشروع بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي، وبمشاركة مصرف لبنان ووزارة المال، اللذين سجّلا تباينات في مقاربتهما لعدد من المواد الأساسية.
وبنتيجة تلك المشاورات، وُلدت صيغة تسوية حظيت بتوافق واسع بين مختلف الأطراف، إذ اعتُبرت قادرة على تلبية نحو 90% من متطلبات صندوق النقد الدولي، مقابل استجابة شبه كاملة لملاحظات مصرف لبنان والحكومة.
إلا أنّ إقرار القانون لم يُنهِ الجدل حوله، إذ تقدّم عدد من النواب بطعون أمام المجلس الدستوري، الذي ردّ بعض المواد وثبّت الإطار العام للإصلاح المصرفي في لبنان، ما أعاد تثبيت القانون كمرجعية أساسية لإعادة هيكلة القطاع.
ومع عودة الملف إلى الواجهة، عاد صندوق النقد الدولي ليطلب إدخال تعديلات إضافية على النص، وهو ما دفع الحكومة إلى إعادة رفع ملاحظاته إلى مجلس النواب في أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026، في مسار تشريعي لا يزال مفتوحاً على مزيد من النقاش والتعديل.
في موازاة النقاشات الجارية حول قانون إعادة هيكلة المصارف، برزت ملاحظات جديدة منسوبة إلى صندوق النقد الدولي، طُرحت بصيغة اعتبرها بعض المعنيين واسعة وتتجاوز حدود التعديل التقني، إذ تتضمن نحو 28 تعديلاً على الصياغة مقارنة بالنسخة الأولى من القانون.
وفي هذا السياق، سجّل مصرف لبنان سلسلة ملاحظات على الصيغة المستحدثة، محذّراً من أي مساس باستقلاليته، ومشيراً إلى وجود تداخل في الصلاحيات، لا سيما في المادتين 3 و13، بين كل من الهيئة المصرفية العليا والمجلس المركزي، وهو ما قد ينعكس إرباكاً في مرجعيات القرار ويؤثر على آليات المحاسبة داخل القطاع.
وبحسب المعلومات، عُقد اجتماع في السراي الحكومي جمع وزير المال بحاكم مصرف لبنان، وتم التوافق خلاله على إعادة صياغة المادتين 3 و13 بما يهدف إلى ضبط التداخل في الصلاحيات وتوضيح الأطر القانونية الناظمة لها.
من جهة أخرى، طُرح مطلب من قبل صندوق النقد الدولي يتصل بإمكانية تعديل ما صدر عن المجلس الدستوري لجهة حق المصارف في اللجوء إلى القضاء، وهو ما قوبل بتحفّظ سياسي وقانوني، إذ اعتبر رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان أن المسّ بهذا المبدأ غير وارد، مؤكداً أن حماية الحق في التقاضي تُعدّ ركناً أساسياً لا يمكن تجاوزه.
وفي المحصلة، يرى عدد من المعنيين أن أي مسار إصلاحي في القطاع المالي والمصرفي يحتاج إلى قدر عالٍ من الاستقرار التشريعي، باعتباره شرطاً أساسياً لتعزيز الثقة بالنظام المالي والنقدي في لبنان، وليس العكس.
يشكّل قانون الفجوة المالية واسترداد الودائع أحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارةً للجدل في مسار الإصلاح المالي في لبنان، وقد أُعيد طرحه إلى طاولة لجنة المال والموازنة بعد أن أحالته الحكومة، وسط تبيّن وجود ملاحظات من صندوق النقد الدولي، ما دفع إلى إعادة العمل على صياغته من جديد.
وفي هذا السياق، يجري حالياً تعديل القانون ضمن مقاربة أكثر تشدداً في النقاش حول جوهره، خصوصاً في ما يتصل بالهدف الأساسي الذي يُفترض أن يحكمه، أي استرداد أموال المودعين لا الاتجاه نحو شطبها أو توزيع الخسائر بطريقة غير متوازنة. وهو مبدأ تم التشديد عليه مراراً منذ العام 2020، مع التأكيد على أن أي معالجة حقيقية يجب أن تنطلق من حماية حقوق المودعين أولاً.
وبحسب رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، فإنّ التقديرات الواردة في مشروع القانون تشير إلى أن كلفة تسديد الودائع التي تصل إلى 100 ألف دولار للمودعين تبلغ نحو 22 مليار دولار، في حين تُقدّر قيمة السندات التي سيسددها كل من مصرف لبنان والمصارف بما بين 14 و15 مليار دولار.
لكن الإشكالية الأساسية، وفق كنعان، لا تتعلق بالأرقام فقط، بل بكيفية تأمين هذه المبالغ، وما إذا كانت ستُسدد فعلياً، أم أن البلاد ستتجه مجدداً إلى مسار تعثّر جديد يفاقم الأزمة ويدخل المودعين والقطاعين العام والخاص في حلقة إضافية من الانهيار المالي.
وفي موقف لافت، يشير كنعان إلى أنّ المطلوب من الحكومة هو تقديم مشروع قانون واضح، عادل وواقعي لاسترداد الودائع، بعيداً عن “التشاطر” أو رمي المسؤولية على مجلس النواب أو الأطراف الأخرى المعنية، مؤكداً أنّ التعاطي مع هذا الملف في ظرف استثنائي يستوجب أعلى درجات المسؤولية والوضوح.
على خط موازٍ، يكتسب توصيف صندوق النقد الدولي للأزمة في لبنان على أنها “أزمة نظامية” أهمية مفصلية في النقاش الجاري. فهذا التوصيف، الذي سبق أن اعتمدته المصارف ومصرف لبنان منذ بداية الانهيار، يعني عملياً الاعتراف بانهيار متزامن للقطاعين المالي والمصرفي والمالية العامة، ما يفرض إعادة صياغة مقاربة توزيع الخسائر وآليات المعالجة.
وفي المقابل، يُطرح سؤال أساسي حول انعكاسات هذا التوصيف: هل يدفع نحو إعادة تحميل الدولة جزءاً أكبر من المسؤوليات المالية؟ وهل يغيّر في جوهر مشروعي قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي والفجوة المالية، أم يعيد فتح النقاش من نقطة الصفر حول من يتحمّل الخسائر وكيف توزَّع؟
بعد نحو سبع سنوات على بدء الأزمة، لا يزال الجدل قائماً حول المقاربات ذاتها، فيما يُطرح سؤال أوسع: هل آن أوان الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها فعلياً، عبر اعتراف واضح بالمسؤوليات وتوزيع عادل وشفاف للخسائر، أم أن البلاد ستبقى تدور في حلقة السجال نفسها بانتظار تثبيت مقاربات خارجية لإعادة إنتاج الحلول الداخلية؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us