مفاوضات واشنطن محكومة بالنّجاح ورئيس الجمهورية حقق مُراد الدولة بفصل المسار اللبناني

التخوّف من قطبة مخفيّة لتكريس الوصاية الإيرانية و”بيع” واشنطن الملف اللبناني لإيران ليس في مكانه، لأنّ الدور الإيراني لن يتعدّى الإطار الأمني البحت من خلال وضع ترتيبات لنزع سلاح “الحزب”، ولن يكون له أي تأثير في الأجندات الميدانية والإجراءات الأمنية ثم السياسية التي يضعها لبنان وإسرائيل برعاية أميركية منفردة.
كتبت كارول سلوم لـ”هنا لبنان”:
كرّست جولة المفاوضات الجديدة بين لبنان وإسرائيل، المنطق الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والقائل بأنّ لبنان يفاوض عن نفسه، وما من أحد يفاوض بالنيابة عنه. فهذا الحزم الذي تحلّى به الرئيس عون عكسه الوفد المفاوض الذي أجرى محادثات عسكرية وسياسية في واشنطن وُصفت بالمُعمّقة، بدليل أن الجانبَيْن خاضا مناقشات حول المناطق النموذجية ودور الجيش اللبناني والانسحاب الإسرائيلي، على أن يخرج بيان مشترك حول ما جرى أو إعلان نوايا في حال تمّ ترتيب بعض الأمور.
وبغضّ النظر عن النتائج أو ما قد تواجهه هذه المفاوضات من تحدّيات في بعض الأحيان، فإنّ لبنان تمكّن من فصل مساره والتأكيد على واقع السيادة، مع توجيه رئيس البلاد عبارات الترحيب إلى الدول التي ترغب في مساعدة لبنان. وما يجدر التوقّف عنده هو المظلّة الدولية لتوجهات الرئيس عون، حيث تلقّى منذ أيام اتصالات أميركية وقطرية وسعودية وفرنسية وغيرها رفيعة المستوى، كما اجتمع بوفود أجنبية، وكلها صبّت في اتجاه التأكيد على خيارات الرئاسة بالنسبة إلى مفهوم الدولة من دون تدخّلات خارجية من هنا وهناك، حتى وإن كانت بدواعٍ ودية.
يُدرك الكثيرون أنّ المفاوضات بين الدول في العادة تشهد تقلّبات ولا تنتهي بأسرع وقت ممكن، ويبتغي من خلالها المفاوضون التوصّل إلى تفاهم مشترك. ولبنان يريد بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وأن يكون للجيش اللبناني ولمؤسّسات الدولة فقط حضورهما الكامل. أمّا ملف المناطق النموذجية فلا يزال محور أخذ وردّ.
في المُحصلة، لن يتخلّى لبنان عن مبدأ المفاوضات مهما كان، باعتباره الوسيلة الأمثل لتحقيق سلام مستدام.
إلى ذلك، يقول المحلّل والكاتب السياسي إلياس الزغبي لموقع “هنا لبنان”: “صحيح أن هناك تعقيدات تواجه الحلقة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، أبرزها تحديد رقعة “المنطقة الاختبارية” الأولى للانسحاب الإسرائيلي وآليّة الإشراف والمراقبة، لكنّها تعقيدات قابلة للحل طالما أن المسار اللبناني منفصل عمليًّا عن المسار الإيراني، إلّا لناحية تكليف إيران بضبط “حزب الله” ومتابعة مرحلة إنهاء وظيفة سلاحه”.
ويوضح: “الحقيقة أن التخوّف من قطبة مخفيّة لتكريس الوصاية الإيرانية و”بيع” واشنطن الملف اللبناني لإيران ليس في مكانه، لأنّ الدور الإيراني لن يتعدّى الإطار الأمني البحت من خلال وضع ترتيبات لنزع سلاح “الحزب”، ولن يكون له أي تأثير في الأجندات الميدانية والإجراءات الأمنية ثم السياسية التي يضعها لبنان وإسرائيل برعاية أميركية منفردة”.
ويضيف لموقعنا: “وفي حال حاولت إيران التمادي في تفسير دور ما يسمّى “خلية سويسرا” والبحث عن دور أوسع للإبقاء على سلاح وكيلها في لبنان، فإنّها ستصطدم حكمًا بأربعة أطراف تمنعها من النجاح في هذه المناورة، وهي أولًا الدولة اللبنانية صاحبة القرارات الثلاثة بحصر السلاح في يدها وتصنيفها الأنشطة العسكرية لـ”الحزب” محظورة وخارجة على القانون، وثانيًا الولايات المتحدة وأوروبا الملتزمتان بدعم الشرعية اللبنانية لحصر السلاح والسيادة وقرار الحرب أو السلم تحت سلطتها، وثالثًا العرب وتحديدًا الخليج العربي بقيادة المملكة العربية السعودية الدّاعمة بقوة للدولة اللبنانية في بسط سلطتها الكاملة على كل الأراضي اللبنانية، ورابعًا إسرائيل نفسها التي تربط انسحابها بنزع سلاح “الحزب”. ويمكن تصور المصير الصعب لإيران في حال اصطدامها بهذه الجهات الأربع”.
ويختم الزغبي: “لذلك، فإنّ مفاوضات واشنطن محكومة بالنجاح بغضّ النظر عن مصير العلاقات الأميركية – الإيرانية بعد هدنة الـ60 يومًا، لأنّ لبنان حسم خياره في التزام المفاوضات المباشرة لاسترجاع حقوقه، ولم تؤثر “مذكرة التفاهم” بين واشنطن وطهران، ولا “الخلية الأمنية” في “تفاهم سويسرا”، في قرار رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة برئاسة نوّاف سلام والأكثرية الساحقة من اللبنانيين، ولم تؤدِّيا إلى زعزعة ثقة الجميع بمسار التفاوض السلمي بعدما أدّت الحروب الإيرانية بذراع “حزب الله” إلى الكوارث المشهودة في الجنوب وسائر لبنان. إنه الخيار الوحيد والسليم لإنقاذ لبنان، وفي حال ركبت إيران رأسها من جديد وكلّفت “حزبها” العودة إلى القتال، فإنها ستغرق في المزيد من العزلة والدمار وتقضي على ما تبقّى من نظامها وقدراتها وفلول وكيلها”.
نجح رئيس الجمهورية في جعل مسار لبنان التفاوضي يسلك طريقه من دون ارتباط بأحد، وها هو يدفع مجدّدًا في اتجاه حماية البلد وإبعاده عن الحروب من خلال منطق الدولة وحدها.




