لماذا ترتعد طهران من فكرة “ما بعد الحرب”؟!


خاص 27 حزيران, 2026

يدخل المجتمع الإيراني هذه المرحلة بوعي مختلف؛ إذ نجحت سنوات الانتفاضات المتلاحقة في مأسسة العمل المعارض عبر “وحدات المقاومة” داخل المدن، التي باتت تمتلك شبكاتٍ منظمةً قادرةً على التقاط أي لحظة تراخٍ أو ارتباكٍ في قبضة السلطة، ممّا يجعل انتهاء المعارك الخارجية بداية لمرحلة أشدّ خطورة في الداخل، تتصاعد فيها الحركة الاحتجاجية.

كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:

في الوقت الذي يبدو فيه المشهد الإقليمي متجهًا نحو خفض تدريجيّ للمواجهات العسكرية نتيجة عدم رغبة واشنطن في حرب مفتوحة، وإدراك طهران خطورة الانزلاق نحو المجهول، يبرز مأزق من نوع آخر. فعلى الرغم من جمود المفاوضات السياسية وتمترس كلّ طرف خلف شروطه، ليس الميدان أو الدبلوماسية ما يؤرق مضاجع صنّاع القرار في إيران اليوم، بل تلك اللحظة الحرجة التي سيسكت فيها صخب المدافع، لتستيقظ الأزمات الداخلية المؤجّلة؛ وهي لحظةٌ تبدو في الحسابات العميقة للنظام أشد فتكًا من الحرب ذاتها.

لقد برع النظام الإيراني طوال عقود في الاستثمار بالأزمات الخارجية، مستخدمًا قعقعة السلاح الإقليمي وتضخيم التهديدات كمخدّر موضعيّ لامتصاص الاحتقان الشعبي وتبرير القبضة الأمنية المشدّدة. غير أنّ هذا التكتيك استهلك مفعوله، ولم يعد قادرًا على حجب التناقضات الهيكليّة للبلاد. وهنا تكتسب عبارة القيادي المحافظ حميد رسائي، الذي أكد خوفه ممّا بعد الحرب لا من الحرب ذاتها، أبعادًا بالغة الدلالة؛ فالقتال يمنح السلطة شرعيةً مؤقتةً للتعبئة وقمع المعارضة، أمّا التهدئة فتكشف الغطاء عن جبل الجليد القابع تحت الدخان.

مع تراجع الأجواء العسكرية، ستجد طهران نفسها وجهًا لوجه أمام معضلة الانهيار المعيشي؛ فأزمات التضخّم الفلكي، وتهاوي العملة المحلّية، والبطالة، والفقر المدقع، إلى جانب الكوارث البيئية وأزمات المياه والطاقة، هي ملفّات لم تتبخّر مع الحرب، بل تفاقمت، وستنفجر مجددًا في وجه المواطن الإيراني بقوة أكبر بمجرد تراجع أجواء التعبئة.

وفي التوقيت ذاته، تبرز أزمة الخلافة المكتومة كأحد أخطر الملفّات السياسية، حيث نجحت حالة الطوارئ الحربية في تجميد الصراع حول توريث موقع الولي الفقيه لمجتبى خامنئي، لكنّها لم تحسمه. ومع غياب علي خامنئي، الذي شكّل لعقود بيضة القبّان وصمام الأمان لحسم الخلافات بين أجنحة السلطة، يجد مجتبى نفسه في العراء السياسي، وبلا كاريزما القيادة، ليتحوّل في نظر أقطاب النظام من جزءٍ من الحلّ إلى جزءٍ من المشكلة، وسط صراع أجنحة بدأ يطفو على وسائل الإعلام التابعة للسلطة.

ويتضاعف المأزق مع تحدّي إعادة الإعمار الشاقّ، حيث يواجه النظام مُعضلة توفير مئات المليارات لإعادة بناء ما دمّرته الحرب في قطاعات النفط، والبتروكيماويات، والبنية التحتية، فضلًا عن كلفة ترميم شبكات نفوذه الإقليمية وصناعاته العسكرية. وهذه المتطلّبات تأتي في ظلّ شحّ الموارد واختناق الاقتصاد بالعقوبات، ممّا يعني أن أي دولار سيُقتطع لصالح الآلة العسكرية أو القمعية سيزيد من جاهزية الشارع للانفجار والغضب، لعدم توجيه تلك الأموال إلى مجتمع يرزح تحت الحرمان.

على المقلب الآخر، يدخل المجتمع الإيراني هذه المرحلة بوعي مختلف؛ إذ نجحت سنوات الانتفاضات المتلاحقة في مأسسة العمل المعارض عبر “وحدات المقاومة” داخل المدن، التي باتت تمتلك شبكاتٍ منظمةً قادرةً على التقاط أي لحظة تراخٍ أو ارتباكٍ في قبضة السلطة، ممّا يجعل انتهاء المعارك الخارجية بداية لمرحلة أشدّ خطورة في الداخل، تتصاعد فيها الحركة الاحتجاجية.

الحرب قد تنتهي بهدنة أو اتفاق سياسي بين الدول، أمّا الصراع بين النظام والشعب الإيراني فمعركة صفرية مفتوحة.

في المُحصلة، لا ينتظر إيران بعد الحرب مناخ استقراري، بل مواجهة حتميّة مع الذّات ومع شعب يرفض دفع فواتير طموحات إقليمية لا تشبه أحلامه بالعيش الطبيعي. والسؤال الحقيقي الذي تتهرّب منه طهران لم يعد: “كيف ستنتهي الحرب؟”، بل: “كيف سينجو النّظام ممّا بعدها؟”، وهي المرحلة التي تبدو بالنسبة إلى الكثير من المراقبين، وحتى بعض أركان السلطة نفسها، أكثر خطورة من المواجهة العسكرية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us