اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي: من التفاوض إلى استعادة الدولة لقرارها السيادي

الحديث عن إسقاط المشروعين الأميركي والإسرائيلي لا ينسجم مع الوقائع الميدانية، فما جرى في إيران، كما في جنوب لبنان، يظهر بوضوح أن المشروع الذي تعرض للانتكاسة هو مشروع المحور الإيراني، وليس المشروع الأميركي أو الإسرائيلي. أمّا مواقف الحزب فتعكس في جوهرها دفاعًا عن المصالح الإيرانية، بعدما فقدت طهران الورقة اللبنانية لمصلحة الدولة اللبنانية التي استعادت قرارها السياسي بقيادة رئيس الجمهورية، ولم يعد الحزب قادرًا على فرض شروطه أو التحكم بمسار اللعبة السياسية كما كان في السابق.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
بعد عقود من الحروب والوصايات والصراعات التي قيّدت قرار الدولة اللبنانية، دخل لبنان مرحلةً مفصليةً مع التوصل إلى اتفاق إطاري وملحق أمني مع إسرائيل برعاية أميركية، في أول اختراق فعلي لمسار تنفيذ وقف إطلاق النار بين الجانبين. الاتفاق، الذي جاء بعد أربعة أيام من المفاوضات في واشنطن، لا يُقرأ فقط كترتيبٍ أمنيٍّ بين طرفين متخاصمين، بل كتحوّل سياسي يعيد الدولة اللبنانية إلى موقعها الطبيعي بوصفها المرجعية الوحيدة في إدارة ملفاتها السيادية.
ومع دخول المفاوضات مرحلة متقدمة بفعل الضغط الأميركي المباشر، برز مسار جديد يفصل الملف اللبناني عن الحسابات الإقليمية، ويضع قرار التفاوض في يد المؤسّسات اللبنانية الرسمية. وفي هذا السياق، يرى الكاتب السياسي إلياس الزغبي والصحافي والكاتب السياسي آلان سركيس أن ما يجري يشكل نقطة تحول أساسية، عنوانها تراجع دور حزب الله في إدارة هذا الملف، مقابل استعادة الدولة لمساحة واسعة من قرارها السياسي والسيادي.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما ستؤول إليه هذه المفاوضات، تتقاطع القراءات السياسية عند اعتبارها اختبارًا حقيقيًا لموقع الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة، ولقدرتها على تثبيت قرارها بمعزل عن التجاذبات الإقليمية.
يقول الكاتب السياسي إلياس الزغبي لـ”هنا لبنان” إن المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية دخلت مرحلةً متقدمةً، على الرغم من التباينات التي فرضت تمديد الجولة الخامسة يومًا رابعًا، معتبرًا أن هذا المسار بات محكومًا بالتقدم بفعل الضغط الأميركي المباشر الذي يقوده وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
ويُشير الزغبي إلى أن الوسيط الأميركي نجح في إقناع الجانبين بتوقيع إطار عمل مشترك، من شأنه أن يمهّد لوضع جداول زمنية تنفيذية خلال الجولة السادسة، بما يعكس وجود إرادة دولية واضحة لدفع المفاوضات نحو نتائج عملية.
ويلفت إلى أن إسرائيل تعمّدت، قبيل توقيع الاتفاق، الإعلان عن سيطرتها على تلال وأنفاق “علي الطاهر”، في خطوة يراها رسالة سياسية وعسكرية توحي برغبتها في البدء بتنفيذ ما يُعرف بـ”المناطق الاختبارية” انطلاقًا من تلك المنطقة الواقعة شمال الليطاني.
ويؤكد الزغبي أن أبرز ما أفرزته المفاوضات حتى الآن هو تكريس الدولة اللبنانية مرجعيةً حصريةً في التفاوض باسم لبنان، بعدما جرى عمليًّا فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، وحصر دور طهران في المسار الموازي المنعقد في لوسيرن السويسرية، والمتصل بمسؤوليتها عن ضبط نفوذ وكيلها، حزب الله.
ويعتبر أن إيران وحزب الله باتا أمام خيار وحيد يتمثّل في وقف المواجهة العسكرية، وهو ما يعني، برأيه، أن وظيفة سلاح الحزب تتجه إلى نهايتها، سواء عبر تسليمه إلى الدولة أو نزعه، في إطار تسوية تحظى بموافقة إيرانية. ويضيف أنّ أيّ محاولة للالتفاف على هذا المسار من شأنها أن تجرّ إيران إلى مواجهة جديدة على الساحتين الإيرانية واللبنانية، في وقتٍ تراجعت فيه قدراتها العسكرية مقارنةً بما كانت عليه خلال الحروب السابقة.
كما يشير الزغبي إلى أن لبنان يتجه تدريجيًا نحو مرحلة أكثر إيجابية في معالجة أزمته المستمرة، مستندًا إلى حجم الدعم العربي والدولي الذي يتعزّز يومًا بعد يوم لتثبيت شرعية الدولة اللبنانية وتمكينها من بسط سيادتها الكاملة واحتكار السلاح وقرار السلم والحرب، بعد سنوات من هيمنة إيران وحزب الله على هذا القرار.
ويضيف أن من أبرز مؤشرات هذا الدعم البيان الصادر عن الاجتماع الخليجي – الأميركي المشترك في البحرين، الذي حمل، بحسب تعبيره، مواقف حازمة تؤكد الالتزام العربي والدولي بدعم الدولة اللبنانية ومؤسّساتها.
ويختم الزغبي بالتأكيد على أن طريق الإنقاذ لا يزال طويلًا ومحفوفًا بالتحديات، إلا أن لبنان بدأ يخطو أولى خطواته الواثقة نحو الخروج من أزمته، مستفيدًا من التفاهمات التي ترعاها واشنطن، والتي تؤسّس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والأمني.
من جهته، يرى الصحافي والكاتب السياسي آلان سركيس أن المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية تشكل محطة مفصليةً بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، مؤكدًا أنها مرشحة للاستمرار لأنها تستند إلى قرار سياسي واضح اتخذه رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي يمارس صلاحياته الدستورية في إدارة هذا الملف. ويقول إن القرار الرسمي اللبناني بات يتجه نحو تثبيت مسار التفاوض باعتباره الخيار الوحيد لمعالجة الملفات العالقة.
ويشير سركيس إلى أن إسرائيل تسعى إلى التفاوض مع الدولة اللبنانية، وليس مع حزب الله، فيما يشكل الضغط الأميركي العامل الأساسي الذي يضمن استمرار هذا المسار. ويضيف أن الإدارة الأميركية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، تنخرط بصورة مباشرة في متابعة تفاصيل المفاوضات، في مؤشر إلى حرص واشنطن على إنجاحها، ما يعكس أيضًا إصرارها على تكريس الدولة اللبنانية بوصفها المرجعية الوحيدة في هذا الملف.
ويعتبر سركيس أن اتفاق الإطار، في حال تثبيته، سيشكل إنجازًا تاريخيًّا للدولة اللبنانية بعد عقود من ضرب سيادتها، منذ اتفاق القاهرة عام 1969، مرورًا بالحرب الأهلية عام 1975، ثم مرحلة الوصاية السورية، وصولًا إلى النفوذ الإيراني. وبرأيه، فإن نجاح الدولة اللبنانية في التوصل إلى اتفاق برعاية أميركية، من دون أي دور أو رعاية إيرانية، يشكّل ضربةً سياسيةً كبيرةً لحزب الله، الذي طالما احتكر إدارة هذا النوع من الملفات.
ويضيف أن هذا الاتفاق يمثل استعادةً للدولة اللبنانية لقرارها السيادي، و”تحريرًا دبلوماسيًا” للأرض، في مقابل ما يعتبره أن أداء حزب الله العسكري خلال السنوات الماضية أدّى إلى إدخال إسرائيل إلى الأراضي اللبنانية، بعدما تمكنت من احتلال ما يقارب 6 إلى 7 في المئة من مساحة الجنوب.
ويرى أن معارضة الحزب للمفاوضات، في وقت تمضي فيه الدولة اللبنانية قدمًا بها، تؤكد تراجع قدرته على التأثير في القرار الرسمي، بعدما كان في السابق الحاكم الفعلي للبنان وصاحب الكلمة الفصل في ملفات التفاوض، سواء في صفقات تبادل الأسرى أو في المحطات التي أعقبت حرب تموز، حتى عندما كانت الدولة اللبنانية حاضرة شكليًا.
ويعتبر أن إسرائيل تحاول إدارة المفاوضات بما يتلاءم مع مصالحها، مستفيدةً من الوقائع التي فرضها أداء حزب الله خلال المرحلة الماضية، والتي منحتها هامشًا واسعًا من القوة والارتياح.
ويلفت إلى أن التطورات العسكرية على الأرض، والتقدم الإسرائيلي في بعض المناطق، قد يفرضان وقائع جديدة، فيما يبقى ملف الانسحاب من النقاط المتنازع عليها من أبرز عناصر التعقيد. لكنه يؤكد أن هذه العراقيل، مهما بلغت، لن توقف المفاوضات، لأن الدولة اللبنانية لا تملك بديلًا عنها، تمامًا كما أن إيران نفسها تتجه إلى التفاوض مع الولايات المتحدة على الرغم من خطابها التقليدي. ويشدد على أن أي تصعيد ميداني أو تعثر مرحلي لن يغيّر حقيقة أن الحل النهائي لن يكون إلا عبر طاولة المفاوضات.
وفي معرض تعليقه على مواقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، يقول سركيس إن الحديث عن إسقاط المشروعين الأميركي والإسرائيلي لا ينسجم مع الوقائع الميدانية، مشيرًا إلى أن ما جرى في إيران، كما في جنوب لبنان، يظهر بوضوح أن المشروع الذي تعرض للانتكاسة هو مشروع المحور الإيراني، وليس المشروع الأميركي أو الإسرائيلي. ويضيف أن مواقف حزب الله تعكس في جوهرها دفاعًا عن المصالح الإيرانية، بعدما فقدت طهران الورقة اللبنانية لمصلحة الدولة اللبنانية التي استعادت قرارها السياسي بقيادة رئيس الجمهورية، ولم يعد الحزب قادرًا على فرض شروطه أو التحكم بمسار اللعبة السياسية كما كان في السابق.
وعن العلاقة بين المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية والمفاوضات الأميركية – الإيرانية، يوضح سركيس أنه لا يوجد تأثير مباشر بين المسارين، على الرغم من الترابط القائم بين ملفّات المنطقة. ويقول إن الولايات المتحدة عملت منذ البداية على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، فيما تحرص الدولة اللبنانية على التأكيد أن الجهة الوحيدة المخوّلة بالتفاوض باسم لبنان هي مؤسّساتها الشرعية.
ويختم سركيس بالإشارة إلى أن أي تفاهم أميركي – إيراني مستقبلي ستكون له انعكاسات غير مباشرة على أذرع طهران في المنطقة، وفي مقدمتها حزب الله، لافتًا إلى أن الإدارة الأميركية، كما إسرائيل، تنظر إلى المرحلة المقبلة على أنها مرحلة الحدّ من نفوذ الأذرع العسكرية الإيرانية. ويرى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة سياسية جديدة ستتحدد معالمها وفق نتائج المفاوضات الإقليمية، إلا أن الثابت، بحسب تعبيره، هو أن المسار اللبناني بات مستقلًّا عن المسار الإيراني، وأن الدولة اللبنانية أصبحت صاحبة القرار الأول والأخير في إدارة مفاوضاتها مع إسرائيل.
مواضيع مماثلة للكاتب:
مظاهر عاشوراء في العاصمة تثير استياء الشارع البيروتي… وجدلٌ حول الشعائر | 90% من مصانع المخدرات سقطت… لكن معركة إنقاذ المدمنين ما زالت خاسرة! | “بيروت عطشى”… هل تُقطع المياه عمدًا لمصلحة أصحاب الصهاريج؟! |




