لبنان عالق بين الدولة العميقة والأنفاق العميقة!


خاص 4 تموز, 2026

لا يمكن للبنان أن ينهض إذا بقي الفساد محصّنًا بالسلاح، ولا يمكنه أن يستعيد سيادته إذا بقي السلاح محصّنًا بالفساد. فالدولة ليست مجرد علم ونشيد ومؤسسات شكلية، بل هي احتكار للسلطة الشرعية وخضوع الجميع للمحاسبة من دون استثناء.

كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:

لم يعد انهيار لبنان لغزًا يحتاج إلى تفسير. فالدولة التي كانت تُعرف يومًا بأنها مركز المال والثقافة والخدمات في الشرق الأوسط، تحولت إلى نموذج للفشل السياسي والاقتصادي والمؤسساتي. والسبب لا يكمن في عامل واحد، بل في التقاء كارثتين: دولة عميقة تنهب المؤسسات من فوق الأرض، وأنفاق عميقة تقضم سيادة الدولة من تحت الأرض.

على مدى عقود، نجحت الطبقة السياسية اللبنانية في بناء منظومة متكاملة من الفساد والمحاصصة والزبائنية. لم تعد الوزارات مؤسسات عامة، بل تحولت إلى إقطاعيات حزبية وطائفية، ولم يعد المال العام ملكًا للمواطنين، بل أصبح غنيمةً تتقاسمها القوى النافذة. ومن الكهرباء إلى الاتصالات، ومن المرافئ إلى الصناديق والمجالس، تراكمت مليارات الدولارات من الهدر، فيما كانت الدولة تتآكل تدريجيًا حتى وصلت إلى الإفلاس.

هذه هي الدولة العميقة اللبنانية: شبكة مصالح مترابطة أقوى من الحكومات وأبقى من الانتخابات. تتغير الوجوه وتبقى المنظومة؛ يسقط وزير ويأتي آخر، لكن قواعد اللعبة نفسها لا تتبدّل. وحين انفجرت الأزمة المالية عام 2019، اكتشف اللبنانيون أن الدولة التي دفعوا الضرائب لتمويلها كانت في الواقع مجرد هيكل فارغ، يخفي خلف جدرانه واحدة من أكبر عمليات الإفلاس السياسي والمالي في تاريخ المنطقة.

لكن مأساة لبنان لا تنتهي عند حدود الفساد، فإلى جانب الدولة العميقة نشأت ظاهرة أخرى لا تقل خطورة: الأنفاق العميقة. عشرات السنين من بناء بنية عسكرية مستقلة عن الدولة، وشبكات تحصين وتسليح وقرار أمني واستراتيجي خارج المؤسسات الدستورية. ومع الوقت، لم يعد السؤال يتعلق فقط بالسلاح، بل بالدولة نفسها: مَن يقرّر مصير لبنان؟ ومَن يملك حق الحرب والسلم؟ ومَن يتحمّل نتائج القرارات المصيرية التي قد تدفع البلاد إلى مواجهات مدمرة؟

لقد نجح حزب الله في بناء قوة عسكرية هائلة تحت شعار المقاومة، لكن المشكلة أن هذه القوة لم تبقَ خارج السلطة، بل دخلت إليها وأصبحت جزءًا أساسيًا منها. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الحزب الذي قدّم نفسه باعتباره قوة تغيير وإصلاح، تحوّل مع مرور الوقت إلى أحد أعمدة النظام الذي وعد بمحاربته.

فحين كان اللبنانيون يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن الانهيار المالي، كانت الاعتبارات السياسية تطغى على كل شيء. وحين كانت ملفات الفساد تتفجر تباعًا، كانت التسويات والتحالفات تمنع الوصول إلى محاسبة حقيقية. وحين كان المطلوب تفكيك منظومة الفساد، كان الحفاظ على التوازنات السياسية يتقدم على أي مشروع إصلاحي جدي.

لم يكن الفساد في لبنان بحاجة إلى من يسرقه فقط، بل كان بحاجة أيضًا إلى من يحميه. وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكاليات التي يطرحها خصوم حزب الله: فالحزب الذي يمتلك القوة الأكبر في البلاد لم يستخدم نفوذه لتفكيك منظومة الفساد، بل اختار التعايش معها، وأحيانًا الدفاع عن أركانها، مقابل الحفاظ على شبكة التحالفات التي تؤمّن له الغطاء السياسي اللازم لمشروعه الاستراتيجي.

وهكذا نشأ تحالف غير معلن بين الدولة العميقة والأنفاق العميقة. الأولى توفر الغطاء السياسي والإداري، والثانية توفر ميزان القوة الذي يمنع أي تغيير جذري في قواعد اللعبة. والنتيجة أن لبنان بقي رهينة منظومتين تتبادلان المنافع وتعيشان على حساب الدولة الفعلية.

لقد دفع اللبنانيون ثمن هذا الواقع مرتين: دفعوه ماليًا، ودفعوه مرة أخرى عندما وجدوا أنفسهم رهائن للصراعات الإقليمية ولحسابات عسكرية لا يملكون أي سلطة عليها. وبين الانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية والهجرة الجماعية للشباب، كانت الدولة تتراجع خطوة بعد أخرى أمام سلطة الفاسدين من جهة وسلطة الأمر الواقع من جهة أخرى.

إن المأزق اللبناني اليوم ليس مجرد أزمة حكومة أو خلاف سياسي عابر، بل صراع على طبيعة الدولة نفسها. فإما دولة واحدة تحتكم إلى القانون وتمتلك وحدها السلاح والقرار المالي والسيادي، وإما استمرار الواقع الحالي حيث تتقاسم النفوذ دولتان غير معلنتين: دولة عميقة تختبئ في الإدارات والمؤسسات، ودولة موازية تمتد في الأنفاق والتحصينات ومراكز القرار غير الرسمية.

لا يمكن للبنان أن ينهض إذا بقي الفساد محصّنًا بالسلاح، ولا يمكنه أن يستعيد سيادته إذا بقي السلاح محصّنًا بالفساد. فالدولة ليست مجرد علم ونشيد ومؤسسات شكلية، بل هي احتكار للسلطة الشرعية وخضوع الجميع للمحاسبة من دون استثناء.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الفساد وحده قادر على تدمير الأوطان، لكن التجربة اللبنانية أظهرت أيضًا أن اجتماع الفساد مع ازدواجية السلطة يمكن أن يدمر الدولة نفسها. وبين الدولة العميقة والأنفاق العميقة يقف لبنان اليوم على مفترق تاريخي: إما أن يستعيد دولته، أو أن يبقى أسير المنظومتيْن اللتيْن أوصلتاه إلى هذا القاع غير المسبوق.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us