من زوطر الغربية إلى روما: مسار تفاوُضي يعيد ترتيب المشهد اللبناني والإقليمي

التطوّرات وضعت “الحزب” وإيران في موقع حرج ومرتبك، فالحزب لا يستطيع تأييد تجربة زوطر الغربية على الرغم من أنّها أفضت إلى تحرير أرض لبنانية، كما أنّه لا يملك القدرة على رفضها بصورة حاسمة، لذلك يكتفي بالتشكيك في اتفاق الإطار وتصعيد خطابه التخويني تجاه رموز الدولة ومؤسساته.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
تتجه الأنظار مجددًا إلى روما، التي تستعد لاستضافة جولة جديدة من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة الأميركية في الرابع من آب المقبل، في ظلّ مؤشرات سياسية وأمنية توحي بدخول المفاوضات مرحلة أكثر حساسيّة، وسط رهانات على ترجمة التفاهمات النظرية إلى خطوات ميدانية ملموسة. ويأتي هذا الاستحقاق بعد الجولة الأخيرة التي عُقدت في العاصمة الإيطالية وأسفرت، بحسب الجانب الأميركي، عن “تقدم ملموس” في تحديد المناطق التجريبية وآليات تنفيذ الانسحابات الإسرائيلية.
ويتزامن هذا المسار مع بدء الجيش اللبناني انتشاره في أولى البلدات التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية، تطبيقًا لخطة “المنطقة التجريبية”، في وقتٍ تتجاوز فيه النقاشات الجوانب الأمنية والتنفيذية لتطاول ملفّات أكثر تعقيدًا، تتصل بمستقبل سلاح “حزب الله”، والعلاقة بين المساريْن اللبناني والإيراني، فضلًا عن التحولات الإقليمية التي تشهدها المنطقة وإعادة رسم توازناتها السياسية.
وفي ظلّ التسارع الذي تشهده المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وما يرافقها من خطوات ميدانية بدأت تأخذ طريقها إلى التنفيذ، تبرز جملة من التساؤلات حول مستقبل هذا المسار وحدود تأثيره في الواقع اللبناني والإقليمي: هل تشكّل جولة روما محطةً مفصليّةً في تثبيت اتفاق الإطار وترجمة بنوده على الأرض؟ وإلى أي مدى ستنجح الدولة اللبنانية في استكمال بسط سلطتها على المناطق الحدودية؟ وهل تقتصر تداعيات هذه المفاوضات على الجنوب اللبناني، أم أنّها تفتح الباب أمام إعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة برمتها؟
وفي الإطار، يرى الكاتب السياسي قاسم يوسف أن هذه التطورات تندرج في إطار استكمال المحادثات التي بدأت بين لبنان وإسرائيل قبل توقيع اتفاق الإطار واستمرّت بعده، إلّا أنّ العنصر الجديد يتمثّل في زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، وما تحمله من مؤشرات سياسية تتصل بمستقبل هذا المسار.
ويقول يوسف إنّ تنفيذ اتفاق الإطار بدأ يسلك مساره الطبيعي، من خلال الانطلاق بالمنطقتيْن التجريبيتيْن اللتيْن جرى الاتفاق عليهما، مُشيرًا إلى أنّ دخول الجيش اللبناني إلى بلدة زوطر الغربية يُشكّل دلالة واضحة على بدء التطبيق العملي لبنود الاتفاق على الأرض.
ويُضيف أن المحادثات المرتقبة في روما ستركز على استكمال الجوانب اللوجستية والتنفيذية للاتفاق، موضحًا أن وجود الاتفاق بصيغته النظرية لم يعد كافيًا، بل إن المرحلة الحالية تتطلّب ترجمة بنوده إلى إجراءات وممارسات ميدانيّة مباشرة.
ويلفت يوسف إلى أنّ الموقف المنقول عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، والذي أبدى فيه استعداده لدعم هذا المسار شرط توافر خطوات عملية، يعكس وجود مؤشرات جدّية إلى بدء التنفيذ الفعلي، لا سيما في ظلّ التطوّرات الأخيرة على الأرض.
كما يرى أنّ التصريحات التي صدرت عن العماد جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائهما، وما تضمّنته من إشارات مباشرة إلى الرئيس بري، توحي بوجود قرار سياسي كبير يهدف إلى الدفع نحو إجراءات ميدانيّة ملموسة، بما يُفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل.
ويختم يوسف بالقول إنّ هذا المسار لا يقتصر على إعادة ترتيب الواقع الأمني جنوب الليطاني فحسب، بل يمتدّ إلى شماله أيضًا، وصولًا إلى استكمال عملية نزع سلاح حزب الله بالكامل، وفقًا للتفاهمات والضمانات المطروحة.
من جهته، يرى الكاتب السياسي إلياس الزغبي أن “اندفاعة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة الأميركية، مرشّحة للتصاعد مع استئناف جولاتها في الرابع من آب المقبل في روما، معتبرًا أن هذا المسار اكتسب “منشطات سياسية قوية” بعد القمة اللبنانية – الأميركية الأخيرة في واشنطن، التي كرّست، بحسب تقديره، الفصل النهائي بين الملف اللبناني والملف الإيراني”.
ويقول الزغبي إن “الإشارة التي أصرّت طهران سابقًا على تضمينها في مذكرة التفاهم مع واشنطن، لجهة الربط بين المساريْن اللبناني والإيراني، أصبحت من الماضي ولم يعد لها أي تأثير في المفاوضات الجارية اليوم”، مضيفًا أن “المقاربة الأميركية الجديدة تتعامل مع الوضع اللبناني باعتباره ملفًا مستقلًا له أولوياته الخاصة وحساباته المختلفة”.
ويضيف أن “المرحلة الفاصلة عن جولة روما، وما سيليها، ستشهد استكمال تنفيذ الجدولة المتعلقة بالانسحابات الإسرائيلية من مناطق لبنانية جديدة، بعد ما اعتُبر نجاحًا للتجربة الأولى في زوطر الغربية وبعض القرى المحيطة بها”. ويؤكد أن “الثقة الدولية والعربية المتزايدة بالدولة اللبنانية، ولا سيما برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة، تعكس اقتناعًا راسخًا بأنّ خيار التفاوض يشكل الوسيلة الوحيدة لتحرير ما تبقّى من الأراضي اللبنانية واستعادة الدولة كامل صلاحياتها في حصر السلاح بيد الشرعية وإخضاعه لإمرة المؤسسات الدستورية”.
ويعتبر الزغبي أنّ هذه “التطوّرات وضعت “حزب الله” وإيران في موقع حرج ومرتبك، موضحًا أن الحزب لا يستطيع تأييد تجربة زوطر الغربية على الرغم من أنّها أفضت إلى تحرير أرض لبنانية، كما أنّه لا يملك القدرة على رفضها بصورة حاسمة، لذلك يكتفي بالتشكيك في اتفاق الإطار وتصعيد خطابه التخويني تجاه رموز الدولة ومؤسساته”.
وفي ما يتعلق بموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، يقول الزغبي إن “الأخير أبدى ارتياحًا واضحًا للإشارات الإيجابية التي صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعن رئيس الجمهورية اللبنانية”، مضيفًا أن “موافقته الضمنية على نتائج المفاوضات تتجلّى في تأييده لما أعلنه ترامب بشأن احتمال انضمامه إلى مسار الاتفاق عندما يلمس نجاح هذا الخيار وجدواه السياسية”.
وعن الإشارات المتكرّرة التي أطلقها ترامب حول دور محتمل للرئيس السوري أحمد الشرع، سواء على المستوى السياسي أو الأمني، في معالجة ملف سلاح “حزب الله”، يرى الزغبي أنها “لا تزال تندرج في إطار التحذير الشديد اللهجة والنصيحة الأخيرة الموجهة إلى الحزب وإيران من أجل التقاط الفرصة المتاحة قبل اتساع دائرة عزلتهما الإقليمية والدولية”.
ويضيف أن هذه “الرسائل قد تشكّل مقدمةً لإجراءات أكثر حزمًا في المرحلة المقبلة، من بينها البحث في تشكيل قوة دولية متعددة الجنسيات، قد تكون سوريا جزءًا منها، بهدف مواكبة التحولات التي تشهدها المنطقة”.
وفي الخلاصة، يؤكد الزغبي أن “ما يجري اليوم يندرج ضمن عملية إعادة تشكيل شاملة للنظام الإقليمي، بدأت تتضح معالمها من تركيا إلى السعودية ومصر ودول الخليج وصولًا إلى إسرائيل، معتبرًا أن هذه التحولات تؤشر إلى سقوط المشروع الإيراني في المنطقة وانحسار نفوذه السياسي والأمني”.
ويختم الزغبي بالقول إن “المرحلة المقبلة لن تشهد ولادة وريث إقليمي للمشروع الإيراني، لا من جانب تركيا ولا من جانب إسرائيل، بل ستقود إلى قيام منظومة عربية وإقليمية جديدة، تضمن لكل دولة تثبيت نظامها الوطني، وتطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية ضمن حدودها وسيادتها ومصالحها العليا”.




