“الكونسرفاتوار”.. شبح التغيير وحكاية “كان يا ما كان”!

ترجمة هنا لبنان 21 تشرين الثانى, 2023
الكونسرفاتوار

كتب Alain E. Andrea لـ “Ici Beyrouth“:

تحوّل المعهد الوطني اللبناني العالي للموسيقى الذي عُرف ذات يومٍ كأعلى مرجع موسيقي في البلاد، شبحاً يشهد على الإنهيار الذي يطال دعاماته الخاصة: أساتذته المخضرمون ووحدة الفريق. فهجرة الأساتذة الجماعية خلفت قاعات دراسية فارغة ومقطوعات مهجورة، وسوء الإدارة الحالية وتدهور العلاقات داخل المؤسسة أدى لخسارة كبيرة للموظفين ولتقويض الروح الجماعية التي عرفها المعهد في كنف ولاية الراحل بسام سابا.

لبنان قد مات!
وفي صمتٍ صارخ، تمزق بلد الرسالة وتعرض للطعن والتشويه والقتل على يد من كان يفترض به أن يحميه. لن يغفر التاريخ لكل من خان هذه الأرض المقدسة، وباعها بالمزاد العلني بثلاثين من الفضة. لن تمحى وصمة العار مهما حاضروا بالعفة. اليوم، لبنان هنري غريب وعاصي الرحباني وسعيد عقل وسواهم من الفنانين، يلفظ أنفاسه الأخيرة. ويعكس المعهد الوطني العالي للموسيقى هذا الانهيار الواسع النطاق. بقايا العظمة الماضية باتت بين الركام، ومهما حاول البعض إنكار هذا الواقع البغيض، لن تفضي الجهود العقيمة لشيء ولن يتوقف طوفان الانهيار الذي يلوح في الأفق. دروس الماضي مريرة للغاية ويزيد من حدة مرارتها ذلك الصدى الذي يتردد بعد فوات الأوان.. صدى للتحذيرات التي تم تجاهلها. كل شيء ينهار، وكل ركن من أركان هذه المؤسسة الغارقة في التاريخ يسقط في صمت مميت.

الإهمال وسوء الإدارة
وإن شاع بذل الجهود لاحتواء انهيار هذا الصرح التعليمي في الماضي، ما عاد الوضع كذلك اليوم حيث يقف المجتمع الموسيقي، لا حول له ولا قوة، أمام الانحدار إلى الهاوية بغياب التدابير الحكيمة. بالإضافة إلى ذلك، بدأت الخلافات البيزنطية، التي كانت ذات يوم في قلب القضايا السياسية، بفقدان معناها وفائدتها، في حين أن “سيف ديموقليس” قطع خيط الأمل ومعه شعرة معاوية. وتلاشت أحلام وطموحات عدد كبير من الموسيقيين الشباب وباتت أضحية على مذبح الإهمال وسوء الإدارة والغرور المفرط. وبعيداً عن المناقشات العقيمة والخلافات التي لا تنتهي، تعري الإحصائيات كل الحقيقة!
فقد شهد “الكونسرفاتوار” بين العامين الدراسيين 2021-2022 و2023-2024، انخفاضًا ملحوظًا في إجمالي القوى العاملة، بما في ذلك الموظفين وأساتذة الموسيقى والموسيقيين من فرقتي الأوركسترا الوطنيتين. ووفقاً لمصدر مقرب ومطلع، سجل إجمالي عدد الموظفين انخفاضاً كبيراً، من 470 إلى 340، أي انخفاضاً كبيراً بنسبة 27.66%. علاوة على ذلك، شهدت فئة الأساتذة انكماشًا بنسبة 22.45%، حيث انخفض عددهم من 294 إلى 228 خلال نفس الفترة.

الأساتذة المخضرمون
ولا يمكن الاستهانة بحجم هذه الأرقام التي تستدعي الكثير من الإنتباه، خصوصاً وأن النسبة المذكورة تتعلق بأساتذة ذوي خبرة يمثلون حجر الأساس، وقرروا إدارة ظهورهم لهذه المؤسسة التي كرسوا أنفسهم لها جسداً وروحاً لعقود من الزمن. وبات المعهد الوطني، الذي كان ينظر إليه في يوم من الأيام كرمز للتأثير الثقافي للبلاد، عالقاً حالياً في دوامات مضطربة من إدارة يُنظر إليها على أنها جامدة وسلطوية بل وحتى قمعية. ويجد عدد متزايد من الأساتذة أنفسهم محاصرين في هرمية خانقة. كما طغى الصمت الثقيل وتنهيدات الأساتذة المستقيلين والنغمات الحزينة على تلك المبهجة. بالإضافة إلى ذلك، لم يعد خافياً كيف تحاول الإدارة الحالية بجهد إخفاء عيوبها وحتى إخفاقاتها الأكاديمية، والتي تفاقمت بسبب الهجرة الجماعية لأعضاء هيئة التدريس. كيف ذلك؟ من خلال محاولة تلميع صورة المؤسسة من خلال الحفلات الموسيقية، التي غالبًا ما تكون ذات جودة متواضعة، ولكنها منظمة بعناية لجذب انتباه الشخصيات السياسية والدينية.

وحدة الصفوف؟
وفي زوبعة الإضطرابات، من المؤسف أن المعهد الموسيقي يدفع الثمن باهظاً.. هذا المعهد نفسه، الذي واجه طوال سنوات عدم الاستقرار السياسي والأمني ​​والاجتماعي والاقتصادي، كل التحديات ببسالة، وقاوم قبل كل شيء، رياح التدهور المؤسسي المتقلبة وحافظ على وحدة الصفوف بين أعضاء هيئة التدريس والإدارة ووزارة الثقافة. أما اليوم، فما عاد الحال سيان حيث دفع الاستبداد الواضح للإدارة، الفاعلين الرئيسيين في هذه المؤسسة لطيّ الصفحة، تاركين وراءهم عصراً اتسم فيه المعهد بالمصداقية. ومن بين هؤلاء، جوزيف فخري، الجندي المجهول، الذي غادر المعهد بعد أكثر من ثلاثة عقود من التفاني الصامت. وبرز جوزيف فخري كأحد أسس المعهد في فترة ما بعد الحرب بفضل إطلاعه الموسيقي الكبير وعمق بصيرته وفنه المتقن في التدريس والقيادة. ولم يسهم مدرس البيانو والهارموني والتحليل الموسيقي وسواها ومنسق المواد الموسيقية النظرية، بتعزيز المعرفة الموسيقية المتينة فحسب، بل لعب دوراً حاسماً في الحفاظ على القيم الموسيقية داخل هذه المؤسسة.

شبح التغيير
بالنسبة لجوزيف فخري، بات المعهد الوطني أشبه بشبح “الكونسرفاتوار”. ويأسف في مقابلة مع Ici Beyrouth، لأن “السياسة الاستبدادية” التي تنتهجها إدارة المعهد الموسيقي والمرتبطة بـ “ازدراء المعلمين”، أدت إلى تفكك أعلى مرجعية موسيقية في البلاد. “يرى الأستاذ نفسه اليوم محرومًا من أي صوت داخل المعهد وحقوقه مداسة. لقد تلاشت سنوات النضال مع رابطة المعلمين برئاسة إيدي دورليان. وبالتالي، “لن تطأ أقدامنا المعهد مجدداً طالما بقيت الإدارة الحالية فيه”. ويستنكر جوزف فخري وصول آثار الانحطاط الاجتماعي إلى هذا المركز الوطني، حيث لا يدفع المدرسون الثمن فحسب، بل الطلاب أيضًا: “من الخطير أن نرى أن الإدارة تطلب من المعلمين المتاحين تولي تدريس جميع المواد، حتى تلك التي لا يمتلكون بالضرورة المؤهلات المطلوبة لتدريسها.” ومن المؤثر حقاً أن نشهد التفكك التدريجي لهيئة التدريس، التي جمعها المرحوم بسام سابا، في ظل الحكم الحالي للمديرة بالتكليف هبة قواس. وعلى الرغم من أن كل الآمال عقدت عليها، ظهرت حقيقة حزينة أدت إلى تآكل التماسك الذي اتسمت فيه المؤسسة سابقاً.
يطغى الكثير من الحنين على أجواء ذلك المكان اليوم.. في الأروقة الفارغة، صدى أنغام الماضي وزمن الروح الجماعية والطموحات المشتركة. أما الآن فشبح التغيير الرجعي يسيطر على المكان.. ويا أيها الكونسرفاتوار، حكايتك.. كان يا ما كان!

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us