إيران تصفّر و”الحزب” يردّ الصدى!

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:

هي حكاية عودٍ على بدء… قضية حزب الله وسلاحه قصة لا تُدرك لها خاتمة. والحزب مصرّ على البقاء عالقًا في الدوامة نفسها، مكرّرًا اللازمة ذاتها: “لن نتخلى عن السلاح”. وكيف يتخلّى عنه؟ والسلاح سرّ نفوذه ومفتاح سلطته والرصيد الذي يمنحه امتيازات ومكاسب يرفض التفريط بها. وفي النهاية، كيف يتخلّى وهو التابع لطهران… كمن لا يملك فكاكًا من مصدر قوتِه وقوّته.

وهكذا تصفّر إيران ويردّد الحزب الصدى: كلما اعتلى مسؤول إيراني منبرًا أو استهلّ جولةً دبلوماسيةً، يمكن توقّع الحدث التالي على الساحة المحلّية: الأمين العام لحزب الله يخرج من عتمة مخبئه بعد أيام معدودة، ليطلق خطابًا أشدّ صخبًا وأبلغ تهديدًا وأفرغ مضمونًا. طهران تتكلم بالفارسية، وصداها يتردّد بالعربية في بيروت.

وخلف كلّ ذلك الصخب، لا تخفى الغاية على أحد: إيران تتحضّر لجولةٍ جديدةٍ من المفاوضات مع واشنطن حول برنامجها النووي، فيما يلوح شبح آلية “سناب باك” الأوروبي، التي قد تُعيد فرض عقوبات اتفاق 2015 ويضع اقتصادها على حافة الانهيار الكامل. ولتفادي الغرق، تلوّح طهران بسلاحها الأبرز: إشعال الفوضى في الشرق الأوسط كورقة مساومة.

أمّا رسالة حزب الله في هذا الإطار فلا تحتمل أيّ لبس ولا تعدو كونها أكثر من ابتزازٍ سياسيّ مكشوف: “أيّ مساس بمصالحنا سيعني قلب موازين المنطقة”… وهل الحزب أكثر من ساعي بريد لتهديدات إيران؟

وخير دليل ترويه الأيام المنصرمة… فقد تحمّس الأمين العام لحزب الله خلال زيارة الوفد الأميركي إلى بيروت لتجديد دعم الجيش اللبناني والتأكيد على حصر السلاح بيد الدولة. وردّ بخطابٍ ناري وتصعيدي مباشر، كأنّ به يقول: ربما تعطي الحكومة وعودًا، لكن القرار منوطٌ بنا وحدنا ولا أحد يجرؤ على نزع سلاحنا.

هذا النهج ليس استثناءً؛ فالحزب مجرّد نسخة لبنانية تستعيد أسلوب الحوثيين في اليمن والميليشيات العراقية. والتعاليم تأتي من طهران: رفع النبرة ومضاعفة التهديدات وإطلاق صواريخ من اليمن إن اضطرّ الأمر، وما ضرّ إن تلقّى 50 ضربةً إسرائيليةً كما حصل في صنعاء الأسبوع الماضي؟ الأمر يقتضي تنفيذ كلّ ما يلزم لتذكير الغرب بأنّ إيران لا تزال تحتكر مفاتيح الاستقرار في المنطقة.

لكن كلّ ذلك ليس أكثر من ذرٍّ للرّماد في العيون!
الظلام لا يزال يخيم على المشهد. والأمين العام للحزب لا يفوّت فرصة أسبوعية ليطالعنا ببثّ تسجيل صوتي أو مصوَّر، على خلفية حمراء أو زرقاء محايدة أو سواها، حرصًا على لغز المكان. والسبب واضح وبيّن: بعد اغتيال أبرز قادة الحزب، بات هاجس الخوف استراتيجية. وهوس الحذر يطغى على الجميع. قيادات الحزب ما عادت تثق بالتكنولوجيا وتعتبر أنّ كل وسيلة اتصال مخترقة من الإسرائيليين. والرسائل تُتداول على قصاصات ورق، مكتوبة بخط اليد، تُمرَّر سرًا من يدٍ إلى يد، كما في الأزمنة الغابرة.

أمّا لبنان، فيحاول بلا هوادة التحرّر من قبضة حزب الله، لكنه يبقى رهينة ميليشيا تخلط بين شعار “المقاومة” وواقع “الخضوع” لإيران.

الحكاية بسيطة: بقاء حزب الله رهنٌ بصمود النظام الإيراني. لكن هذا النظام هشّ، يقوم على فسيفساء من شعوب (فرس، أذريون، أكراد، عرب، بلوش…)، وكلّ منها يحمل بذور تمرّد ويشهد توتّرات تهدّد بانفجاره من الداخل.

وحتى اللحظة، تتجنّب القوى الإقليمية التفكير في سقوط النظام بغياب البديل. الخليج يخشى موجات لاجئين شيعة بالملايين إن تفكّكت إيران. أمّا تركيا فآخر ما تريده هو ضغط 12 مليون كردي إيراني عند حدودها. لذلك، تفضّل أنقرة بقاء الوضع على ما هو عليه، تفاديًا لفوضى عابرة للحدود.

ومع ذلك، في اليوم الذي سيسقط فيه “بيت الورق” ذاك، سيفقد حزب الله شريان حياته. حينها فقط سيتمكّن لبنان من التنفس بحرّية. وحتى ذلك الوقت، لن يسمع اللبنانيون سوى خطابات منسوخة من طهران، وشعارات قتالية يردّدها ممثلها المحلي في بيروت. ومع استمرار حزب الله في التخفّي وتبادل الرسائل المكتوبة بخوفٍ وارتباكٍ، تتلاشى صورته كقوة إقليمية حقيقية، لتقتصر على مجرّد أداة عالقة في حلقة مفرغة… وبوق يصدح باسم طهران… يحمل صدى تهديداتها من دون أيّ فاعلية حقيقية.

ما كان ينقص لبنان إلّا هذه المسرحية! كم هو عبثي ذلك الإصرار على الاستمرار، على حدّ تعبير الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، بينما ينادي كلّ ما حولك بالفشل… مرحبًا في جمهورية العبثية اللبنانية!.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us