ايران و”أغنية البجعة”

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:
بعض الأنظمة تحكم بالأفكار… والبعض الآخر بالفوضى… وايران بلا منازع، خير مثال على تلك الفئة الأخيرة… تشعل الساحات في كل زاوية من زوايا الشرق الأوسط، علّ انهياراتها الداخلية تنكفئُ خلف سحب الدخان.
والحال أنّ طهران تستغل منذ العام 1982، لبنان وحزب الله (وكيلها العسكري والسياسي)، تمامًا كما يلوّح مفاوض بقنبلة منزوعة الصمّام: وهذا يعني الاستثمار في التهديد… لا في المشروع. وفي الأصل، لا ترى الجمهورية الاسلامية في لبنان حليفًا ولا شريكًا، بل رهينة استراتيجية. أمّا حزب الله، الذي استحال ملحقًا إقليميًّا لفيلق الحرس الثوري، فلا يعدو كونه أكثر من “تلغراف” يوزّع رسائل طهران الجيوسياسية في كل الاتجاهات.
ومع ذلك، تبقى شوارع طهران وأصفهان وشيراز خاليةً من أي خرائط سياسية… لا تلوح فيها سوى خريطة البقاء. وبينما يكدّس القادة الايرانيون الشعارات الجوْفاء والمُسيّرات والصواريخ والميليشيات في واجهتهم الدعائية، تغرقُ أساسات ايران في الرمال المتحركة للواقع: الاقتصاد يحتضر والعملة تتهاوى والفساد يستشري والبنى التحتية تنهار والجفاف التاريخي يُضاعف من حجم الكارثة.
المشهد صادم: “دولة” تعيش على أطلال الامبراطورية في الخارج بينما يصطفّ الشعب في الطوابير استجداءً للماء.
والحقيقة جليَّة: لم يختبرْ نظام الملالي هذا القدر من الهشاشة منذ العام 1979.
وللمفارقة، اتخذت ايران خيارًا واضحًا خلال محاولتها الهروب إلى الأمام: إشعال المنطقة لتغذية وهم التفاوض من موقع القوة. ذلك هو الفنّ الدبلوماسي الذي تَبْرَعُ به باختصار… فنّ يقتصر على مناورة واحدة: التلويح بحزب الله كورقة تهديد دائمة في أي نقاش حول ملفها النووي أو الصاروخي. ابتزاز جيوسياسي على المكشوف… ودولة مفلسة تلعب دور الامبراطورية!
وبالفعل يستثمر النظام الايراني في كل شيء… إلّا في ايران نفسها.
وفي العراق مثال آخر، حيث خرجت الأحزاب الموالية لطهران في الانتخابات الأخيرة وكأنّها “صانعة الرؤساء والملوك”، على الرغم من ترنّح البلاد تحت ضربات الميليشيات، وتحت نفوذ إيراني يخنق ما تبقّى من مجتمعه. انتصار نسبيّ وغير بريء: ربما يمهّد الطريق لنموذج مماثل في لبنان: دولة ضعيفة وطبقة سياسية مرعوبة وميليشيات إيرانية تشدّ الخيوط من الخلف. والرسالة لا تخفى على المراقبين: لبنان قد يكون مجرد واجهة… لكن العراق بات ورشةً بحدّ ذاته!
أمّا حزب الله فيواظِب على روايته الكبرى: المقاومة والدفاع والتمثيل.. أسطورة ما عاد أحد يُصدقها ولا يُطيقها!
وفي الجانب الآخر، يحظى ولي العهد السعودي باستقبال الفاتحين في واشنطن، ويوقّع صفقات بقيمة ألف مليار دولار مع دونالد ترامب! والأهمّ من ذلك أنّ محمد بن سلمان ما عاد يستبعد انضمام بلاده إلى اتفاقات أبراهام. خريطة الشرق الأوسط تتشكّل للعقود المقبلة… والعقبتان الوحيدتان: طهران وأتباعها.
وبمواجهة هذا الجدار الجيوسياسي المسدود، تزداد حدّة التهديد بضربة اسرائيلية جديدة ضدّ إيران (بالتوازي مع عمليات ضد حزب الله في لبنان)، وبغطاء أميركي. الضربة السابقة سجّلت خلال حرب الاثني عشر يومًا في حزيران الماضي، ولم يتطلّب الأمر أكثرَ من كلمةٍ من ترامب لتتجمّد حركة الطائرات الحربية… مؤقتًا على أي حال.
أمّا اليوم، يتعاظم احتمال الحرب أكثر فأكثر. وهذه المرّة، لن ينجو النظام. هناك مَن بدأ بالفعل بالتفكير بـ”اليوم التالي”. الملالي… وخامنئي… خارج المشهد. لكن من يحلّ مكانهم قبل انفجار إيران إلى فسيفساء من الكيانات؟
مجاهدو خلق؟ مسلحون، ومنظّمون…”ماركسيّون” ربما أكثر ممّا يحتمل الشارع. نجل الشاه؟ الشعب أبعد من أن يحنّ للعصر الامبراطوري.
في الكواليس، اسم واحد يُتداول همسًا: محمد جواد ظريف. المعروف باعتداله والمألوف في الأوساط الغربية… مهندس الاتفاق النووي عام 2015، خريج الولايات المتحدة، متعدّد اللغات، والشهير بـ”دبلوماسية الابتسامة”… أمر نادر في بلدٍ تغلب عليه الرايات السوداء.
“من يزرع الريح يحصد العاصفة”… ألم يَحِنْ الأوان بعد لفهم الحكمة التي تعود لأكثر من 2800 عام؟
مواضيع ذات صلة :
لاريجاني في بيروت | لبنان يرسم خطاً أحمر لإيران: عون يعلن السيادة الكاملة بوجه لاريجاني | بأسلوب مشابه لاغتيال نصرالله… هكذا هاجمت إسرائيل مسؤولين إيرانيّين! |




