سقوط مادورو: زلزال جيوسياسي بارتدادات عالمية

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:
مشهد استثنائي استفاق عليه العالم صباح السبت.. مشهد يرقى إلى مستوى اللحظة الفارقة أو الانقلاب في التاريخ السياسي المعاصر: رئيس الولايات المتحدة يعلن أمام العالم عن عملية عسكرية أميركية أطاحت بنيكولاس مادورو (الرجل الذي حكم فنزويلا بالحديد وبالخطاب الثوري لأكثر من عقد)، وأفضت لنقله مع زوجته، خارج حدود بلاده. حدثٌ غير متوقع بهذه السرعة، ولا بهذا الوضوح، ولا بهذا القدر من الجرأة.. شكّل صدمة دولية وأعاد خلط أوراق التوازنات الإقليمية والدولية.
الرواية الأميركية سطرت عملية أبعد ما تكون عن الضربة الموضعية.. عملية واسعة استهدفت مراكز ثقل في كاراكاس وعدداً من الولايات الفنزويلية، في رسالة لا تحتمل التأويل: أبعد من مجرد إسقاط رئيس.. إنها نهاية مرحلة كاملة. فمادورو لم يكن اسماً في السلطة فقط، بل رمزاً لمشروع سياسي، وواجهة لمعسكر تحدّى النفوذ الأميركي ورفع راية “الشافيزية” في وجه واشنطن.
ما يجري اليوم يتجاوز منطق الاشتباك العسكري. ما حصل شاهد على انهيار مفاجئ لبنية حكم تشكلت على مدى سنوات من الشعبوية والتحالفات العقائدية والاقتصاد الريعي والحصار الدولي. نظام كان محاصَراً لكن متماسك بالقوة، ينهار بضربة واحدة، مخلفًا دولة مترنحة وفراغاً سياسياً ثقيلاً.
في الداخل الفنزويلي، الرد أتى سريعاً وحاسماً: السلطات الفنزويلية وصفت ما حدث بـ”العدوان الإمبريالي السافر” وأعلنت حالة الطوارئ، في محاولة لاستعادة زمام السيطرة ومنع الانفلات. أما في واشنطن، الصورة مغايرة تماماً: احتفاء بإنجاز استراتيجي ورسالة ردع واضحة، وتأكيد على أن ما جرى هو دفاع عن الأمن ومواجهة لاقتصاد الجريمة والفساد والاتجار بالمخدرات ومكافحة الجريمة العابرة للحدود.
لكن خلف هذه السرديات المتعارضة، أسئلة جوهرية كبرى لا يمكن تجاهلها: ما هو الغطاء القانوني الدولي لمثل هذه العملية؟ ومن يملأ الفراغ السياسي الذي سيتشكل في بلد يُعد من أكبر منتجي النفط في العالم؟ وهل نحن أمام انتقال منظم… أم فوضى مفتوحة؟
أميركا اللاتينية، التي تعيش منذ أعوام على إيقاع الأزمات والانقسامات المتراكمة، دخلت فجأة منطقة رمادية هشة. دول الجوار وفي مقدمتها كولومبيا تراقب بحذر، وروسيا والصين تحسبان كلفة الخسارة والمواجهة، فيما تصدر إدانات محسوبة تنتظر اتضاح ملامح المشهد، ولو أن القلق من تكرار الماضي يطبعها.
أما الفنزويليون أنفسهم، الغارقون في الفقر والانهيار، والمنهكون من صراع السلطة، فهم أمام مفترق مصيري. فبين من يرى في سقوط مادورو خلاصاً مؤجلاً، ومن يخشى أن يكون بداية فوضى أطول، يبقى مستقبل البلاد رهناً بالروايات التي ستفرض نفسها في الساعات والأيام المقبلة.
ولا تتوقف ارتدادات هذا الزلزال عند القارة الأميركية. فغياب مادورو المحتمل عن المشهد يعني خسارة إيران أحد أكثر حلفائها ثباتاً في أميركا اللاتينية، وشريكاً استخدمته لسنوات كمنصة سياسية واقتصادية لكسر العزلة الدولية ومناكفة النفوذ الأميركي.
وفي السياق ذاته، قد يتلقى حزب الله ضربة غير مباشرة، مع تراجع بيئة سياسية وفرت له، وفق تقارير استخباراتية غربية، هامش حركة ونقاط ارتكاز. فسقوط النظام الذي وفّر الغطاء والحماية قد يؤدي إلى تفكيك شبكات نفوذ قائمة في الظل، وإلى طيّ صفحات جيوسياسية قديمة.
في المحصلة، ما جرى لا يقتصر على مجرد تغيير في رأس السلطة.. ما حصل كسر التوازن وأنهى المعادلة وفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة شديدة الاضطراب. مرحلة قد يعاد فيها رسم النفوذ، وتُختبر فيها حدود القوة، وتُكتب فيها صفحة جديدة… وعلى الرغم من ضبابية المشهد، يدرك الجميع أن هذه المرحلة ستُسجّل كأحد أكثر التحولات دراماتيكية في تاريخ المنطقة الحديث.




