الديكتاتوريات المنهكة والسيناريوهات البديلة

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
على الرغم من تباعد مسارحها الجغرافية، تعيدنا التطورات المتسارعة على الساحة الدولية إلى صراعات قد تتفرق في الظاهر لكنها تتقاطع في الجوهر عند قواسم ورهانات مشتركة. وخير دليل في هذا السياق، النموذجان الفنزويلي والإيراني: نموذجان متلازمان لمسارات استبدادية تشكلت على امتداد أكثر من عقدين عند تقاطع الأيديولوجيا المتطرفة والحسابات الاستراتيجية الصدامية وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. فمنذ مطلع الألفية، انخرط البلدان في تنسيق سياسي واستراتيجي ممنهج، تموضعا من خلاله على ضفة نقيضة للنظام الليبرالي-الديمقراطي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
الهدف من هذه السياسات كان تحدي الولايات المتحدة داخل مجالاتها الاستراتيجية والأمنية، وإعادة إنتاج سيناريوهات الحرب الباردة عبر إعلان أيديولوجي متطرف، وتثبيت مناطق نفوذ وخلق فراغات أمنية وتشغيل اقتصادات سرية، وتمرير شبكات خفية من التأثيرات العابرة للقارات. سلكت هاتان الدولتان طريقًا واضحًا لمواجهة الديمقراطيات الليبرالية، وتقويض بنياتها الأمنية والاستراتيجية.. من مجرد فكرة نظام عالمي مضاد ظهرت في عهد تشافيز وأحمدي نجاد، إلى تنسيق العمليات الإرهابية والشبكات الإجرامية على مستوى عالمي، وقمع المعارضات الديمقراطية.
وعلى الرغم من العزلة الدولية والعقوبات المتواصلة التي طالت النظامين الفنزويلي والإيراني، لم تنه هذه الضغوط صعود المعارضة داخلهما، بل ساعدتها على التموضع بحزم في تحالفات ديمقراطية دولية. فقد مكنت هذه التحالفات القوى المعارضة من كسر العزلة، ومواجهة امتدادات النظامين في كوبا ونيكاراغوا، فضلاً عن شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، لتدخل بذلك في دينامية مضادة ترتكز على مواجهة مباشرة للنظامين. واليوم، يواجه كلا النظامين تحديًا مزدوجًا: انتفاضات داخلية متصاعدة، وسياسات تغيير نظام مدروسة تعتمد على خطط متكاملة، ما يضع لأول مرة مشروعية واستمرار هذين النظامين على المحك، في لحظة تتقاطع فيها الثورات الداخلية مع ديناميات إعادة رسم خطوط السلطة التقليدية التي ظلت ثابتة لعقود.
إن سقوط هذين النظامين سيشكل لحظة فاصلة، قادرة على إعادة رسم النظام الدولي. وقد يتيح ظهور هيكل جديد يغير الديناميات الجارية على الساحة العالمية. وتتسم هذه الأنظمة بكونها مزيجًا خطيرًا من الأيديولوجيا والاستراتيجية المحولة إلى أدوات للجريمة والإرهاب، فهي ليست مجرد حكومات، بل دول إجرامية وإرهابية بكل ما للكلمة من معنى. وبغض النظر عن أي اعتبارات سياسية أو دبلوماسية، تتحدد ملامح حقيقتها من خلال وظائفها الفعلية والدور الذي تلعبه في خلق نظام دولي تتشكل ملامحه عبر شبكات الجريمة والفوضى والإرهاب، بكل أشكالها وتجلياتها.
وبالتالي، ليس من قبيل الصدفة أن يرتبط الصراع المفتوح ضد هذه الأنظمة بشكل وثيق بالشبكات الإجرامية العابرة للقارات التي تديرها وتحتمي بها. فهزيمتها لن تتحقق عبر تفكيك أدواتها القمعية فحسب، بل عند نقطة الالتقاء الحاسمة بين الأساطير المؤسسة التي تتغذى عليها، والدور التخريبي الذي تؤديه في تقويض النظام السياسي الليبرالي ومؤسساته. نحن لا نواجه النمط الكلاسيكي للشموليات الأيديولوجية التي وسمت حقبة الحرب الباردة، بل أشكالًا هجينة تذوب فيها الأيديولوجيا في الاستراتيجية، وتتحول السياسة إلى نشاط إجرامي منظم. إنها أنظمة لا تحكم باسم فكرة، بل باسم الفوضى التي تنتجها، ولا تستمد قوتها من مشروع، بل من قدرتها على تخريب أي مشروع بديل.
أما اليوم، تفرض مسألة ما بعد هذه الأنظمة نفسها بإلحاح متزايد، لا سيما مع اقتراب شبح الفوضى. فالتجارب المريرة التي خلفتها موجات الربيع العربي ما تزال ماثلة، بما تحمله من مخاوف حقيقية من فراغات أمنية واستراتيجية متسعة، وانعكاساتها على بيئات جيوسياسية هشة، سرعان ما تتحول إلى مسارح لانفلات عام وتكريس أنماط من الإجرام المعمم. وتتبلور سيناريوهات الانتقال حول مسارات متقاربة تختزل لحظة السقوط: انهيار السرديات المؤسسة وتآكل الشرعيات الداخلية وفشل محاولات الاحتواء التي رُوِّج لها عبر ما سُمّي بالمحور التسلطي الروسي–الصيني، أو من خلال الأساطير الخطابية التي نُسجت حول “البريكس” ومشتقاتها. فهذه الصيغ لا تمثل بدائل حقيقية بقدر ما تشكل محاولات لاحقة لتبرير الخداع الأيديولوجي والفظائع التي أنتجتها تلك الأنظمة.
إنّ انهيار النظامين الفنزويلي والإيراني لن يحل نتاج ضغط خارجي، بل نتاج انفجار داخلي واستنزاف طويل الأمد. فالسرديات الأيديولوجية للشيوعية والخمينية ما عادت تجد صداها، وأفسحت المجال أمام الكوارث المركبة التي خلفها هذان النظامان على مدار عقود. وتتجلى الحقيقة الصادمة لهذه الأنظمة في فشل اقتصاداتها المافيوية وتفكك نسيجها الاجتماعي وانعدام مصداقية خطابها الأيديولوجي القديم، وفشل محاولات خلق بدائل سياسية حقيقية سواء عبر الشيوعية أو الإسلام الراديكالي.
وتأتي الضغوط الأميركية في لحظة بلغت فيها أزمة الشرعيات الداخلية ذروتها، حيث المجتمعات مستعدة لتقديم كل الدعم الضروري لإتمام تحولات تستعر تحت الجمر منذ سنين. أما أي محاولات افتراضية للتماسك عبر خطاب وطني متقادم، فلا تتلاءم البتة مع الواقع. لقد سقط القناع وانكشفت الأكاذيب الكبرى للثورة البوليفارية والثورة الإسلامية الإيرانية، لتتجسد اليوم في خداع أيديولوجي وسرقة موارد وانهيار اقتصادي وبنية تحتية منهارة وحقول صفيح مترامية تشهد على التحلل المستمر وعلى مناخ من الإرهاب والجريمة المنظمة. وإلى ذلك يضاف الترويج لنماذج اقتصادية بديلة، سواء عبر الهيمنة الاقتصادية الصينية أو الطموحات الإمبراطورية للنظام الروسي النيوبولشفوي.
من المتوقع أن يسقط النظام البوليفاري وفق سيناريو واضح للإنهاك الداخلي، يرافقه انتقال ديمقراطي منظم يتيح للمجتمع الفنزويلي تجاوز الأزمة دون انزلاقات درامية. فقد عانت البلاد بما يكفي من وحشية هذا النظام الإجرامي والقمعي، الذي دمّر توازنات مجتمع منظم ومستقر ذات يوم. والفنزويليون سيطوون بعد عقود من الكوارث والانتهاكات صفحة هذا الكابوس الطويل، الذي سقطت مصداقية خطاباته وأوهامه تدريجيًا مع كل أزمة وكل فساد وكل لحظة ترهيب. هذا التحول ليس سيناريو انفصال أو تمزق عرقي يهدد وحدة الدولة، بل على العكس تماما. إنه هو فرصة لإعادة البناء. فالصراع المباشر الذي خاضته الولايات المتحدة ضد دول تجارة المخدرات وشبكاتها الأيديولوجية سيؤدي إلى انهيار “اليوتوبيا الزائفة” الموروثة عن الشيوعية الاستوائية ونماذجها الكوبية والنيكاراغوية، ومحو تأثيراتها المتراكمة على مستوى القارة.
ويشكل سقوط الخمينية نتيجة طبيعية لتدهور طويل الأمد أصاب السردية الإسلامية التي شكلت أساس هذه الديستوبيا المميتة. فهو لا يرمز إلى نهاية الحقبة الأيديولوجية والسياسية للإسلام السياسي فحسب، بل يفتح الباب أمام عصر جديد ما بعد الإسلاموية. والمجتمع الإيراني بات اليوم أكثر استعدادًا لمواجهة هذا التحول، ولا مكان للندم. الخدع والخطابات المغرية للإسلام السياسي فقدت قدرتها على الحشد، بينما فشلت مغامرات النظام الإمبراطوري في فرض نفوذها، بعد تحطيم البنى التشغيلية التي أقامها على مدى أربعة عقود، وتأثير المعطيات الجيوستراتيجية الجديدة، بما فيها الرد الإسرائيلي والمنهجيات التي وفرتها إدارة ترامب.
وفي هذا السياق، ترى اللاهوتية الليبرالية الإيرانية صدیقه وسمقی في موجة القمع الحالية “دليلاً واضحاً على ضعف السلطة”. ويؤكد أحد المعارضين للنظام الإسلامي هذا التحليل، مشيرًا إلى أن النظام حين يشعر بالقوة لا يحتاج إلى قمع جماعي بهذا الحجم. ومخطئ من يظن أنه قادر على حشد الشعب حول عدو خارجي. بل إن سياساته تخدم بالمفارقة مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تتمتعان بقدرة أكبر على إيجاد قنوات للتأثير داخل شبابٍ يائس ومُحبط. وعلى الرغم من ذلك، يفتح سقوط هذا النظام أبوابًا محتملة للسيناريوهات الفوضوية، التي قد تتجاوز آثارها حدود إيران والتي تستدعي متابعة عن كثب.
في المحصلة، في مجتمع متعدد الأعراق ومتقلب بهذه الدرجة كما في إيران ومحيطها الجيوسياسي، تبدو الملكية الدستورية الخيار الأكثر قدرة على ضمان انتقال ديمقراطي منظم. ويتيح هذا الخيار لإيران استعادة تاريخها ما قبل الإسلام ومشروعها الشرعي التاريخي، وتجاوز الانقسامات العميقة التي خلفتها ديكتاتورية دموية، وفتح حوار جاد حول إعادة بناء المؤسسات وضمان هندسة انتقالية سليمة.
باختصار، هذه الرؤية المختصرة أهمية التحديات القادمة والتحولات السياسية والجيوستراتيجية والمخاطر المحتملة التي قد تطرأ على نطاق واسع، في ظل تحولات عابرة للحدود وإعادة تشكيل النماذج السياسية على المستويين الإقليمي والدولي.




