التأمين الصحي في لبنان: بين التضخم والضغط المالي!

ترجمة هنا لبنان 14 كانون الثاني, 2026

كتبت Liliane Mokbel لـIci Beyrouth“:

الضغوط تتزايد على قطاع التأمين الصحي في لبنان، في ظل الارتفاع المستمر في الأقساط واحتدام الخلاف بين شركات التأمين والمستشفيات وتراجع عدد المستفيدين فضلًا عن الاختلالات البنيوية العميقة، وذلك على خلفية التضخم والأزمة الصحية وغياب المنافسة السليمة.

الزيادات المتواصلة في أقساط التأمين الصحي تطرح تساؤلاتٍ جديةً حول مدى قدرة هذا القطاع على الاستمرار. فمع كل تجديد سنوي، يواجه المستفيدون زيادات جديدة تبررها شركات التأمين والمستشفيات بالضغط المزدوج نتيجة التضخم المحلي والتضخم المستورد.

وحيث إن شركات التأمين في لبنان لا تقدّم تخفيضًا على الأقساط للأشخاص الذين لا يستهلكون كثيرًا من الخدمات الطبية، تُلقى الكلفة كاملة على كاهل المؤمّن له. وهكذا يجد المواطن نفسه أمام خيارين: إما تحمّل الأعباء الإضافية أو تقليص لجوئه إلى الخدمات الصحية، وصولًا في بعض الحالات إلى الامتناع عن دخول المستشفى. وتشير تقديرات أولية إلى أن عدد اللبنانيين المشمولين بتغطية تأمينية تراجع من نحو 600 ألف قبل عام 2019 إلى نحو 400 ألف حاليًا.

شد حبال بين المستشفيات وشركات التأمين

ويشكل كبح الارتفاع المتواصل في أقساط التأمين مهمةً شديدة التعقيد، حسب أحد العاملين في القطاع، وذلك في ظل صراع في الكواليس بين شركات التأمين والمستشفيات، حيث يسعى كل طرف لحماية توازنه المالي. وتجري مفاوضات شاقة بهدف إبقاء التعرفة الاستشفائية ضمن حدود تعتبر مقبولةً.

ومؤخرًا، رفضت شركات التأمين طلب المستشفيات برفع التعرفة بنسبة 15%، بعدما كانت قد وافقت العام الماضي على رفع أتعاب الأطباء بنسبة 5%. ووفق مصادر قريبة من جمعية شركات الضمان في لبنان، أبدت المستشفيات الجامعية مرونة أكبر، مطالبة بزيادات تتراوح ما بين 3 و5%.

في المقابل، صعّدت نقابة المستشفيات الخاصة من لهجتها، متهمةً شركات التأمين برفع الأقساط عدة مرات منذ عام 2019، فيما لا تزال تغطية التعرفة الاستشفائية محصورةً بين 60 و75% من مستواها قبل الأزمة، أي قبل الانهيار الاقتصادي الشامل.

شركات التأمين والهجوم المضاد

شركات تأمين كثيرة توخت خلال الأزمة الاقتصادية، خفض التعرفة الطبية بنسبة تراوحت ما بين 30 و35%، في سياسة تبيّن أنها غير مستدامة لاحقًا. وها هو القطاع يدفع الثمن اليوم. وشهدت التعرفة الاستشفائية ارتفاعًا حادًا نتيجة التضخم ورفع الدعم عن الأدوية والأطراف الاصطناعية والمستلزمات الطبية.

وفي هذا السياق، يؤكد أحد العاملين في القطاع أن زيادات أقساط التأمين حتمية في بعض الأحيان، وهي ناتجة عن عوامل خارجة عن إرادة شركات التأمين إلى حدّ كبير.

ويضيف المصدر نفسه أن هجرة الفئات الشابة والأكثر صحة أضعفت محفظة المخاطر لدى شركات التأمين اللبنانية، وخلّفت قاعدةً من المستفيدين ممن هم أكبر سنًا وأكثر حاجةً للمطالبات، لا سيما ضمن عقود التجديد المضمون، كما تفاقم الوضع بسبب الارتفاع الكبير في الأمراض الخطيرة، وعلى رأسها السرطان، حيث تُقدَّر الزيادة في عدد الحالات بنحو 80%.

حرب الأسعار وتداعياتها على القطاع

وعلى الرغم من أن المنافسة والقدرة التنافسية تُعدّان، من حيث المبدأ، عنصرين أساسيين في حيوية الأسواق، يختلف الواقع في لبنان. فقد انتهجت بعض شركات التأمين سياسات تجارية شديدة، أدّت إلى خفض أسعار بوالص التأمين الصحي إلى مستويات غير مستدامة. وساهم هذا السباق المحتدم لخفض الأسعار في إرباك القطاع بأكمله وزعزعة توازنه.

مصدر في قطاع التأمين يشير في هذا الإطار إلى أن بعض هذه الجهات دخيلة على المهنة، وتفتقر للفهم السليم لأسس العلوم الاكتوارية وآليات إعادة التأمين، ما يكبّدها خسائر مع نهاية كل سنة مالية. وإزاء هذا الواقع، تلجأ الشركات نفسها لتصحيح أخطائها التسعيرية لاحقًا عبر زيادات حادة في الأقساط خلال العام التالي، ما يخلق حالةً من عدم الاستقرار تضرّ بالمؤمَّن لهم وبسلامة السوق على حدّ سواء.

الاكتظاظ وضرورة الاصلاح

معظم العاملين في قطاع التأمين يجمعون على معاناة السوق اللبنانية من تخمة واضحة في عدد الشركات، وهي مشكلة معروفة منذ سنوات، من دون أن تبادر وزارة الاقتصاد، بصفتها الجهة الوصية، إلى معالجتها بجدية. ولم تُعتمد أي حوافز ضريبية أو تنظيمية أو مالية لتشجيع الاندماج بين الشركات، على الرغم من أن هذا الخيار يُعدّ ضروريًا لإعادة توازن السوق.
كما أن آخر عملية اندماج كبيرة تعود إلى عام 2021 بين شركتي Assurex وLIA، من دون أن تتبعها خطوات مماثلة.

وبالنتيجة، يضم لبنان اليوم 54 شركة تأمين في سوق لا يتجاوز حجمها 1.1 مليار دولار، مقابل 35 شركة فقط في الإمارات العربية المتحدة تتقاسم سوقًا يقارب 15 مليار دولار.

تنظيم عمل التعاونيات

وبخصوص التعاونيات، لا يدعو أهل القطاع لإلغائها، حيث يحقق بعضها أداءً مقبولًا، لكن الإشكالية تكمن في غياب الإطار التنظيمي الواضح.

وتستفيد هذه الجهات من نظام استثنائي، إذ تُعفى من ضريبة الـ11% المفروضة على أقساط التأمين، وفي الوقت نفسه تُلزم بإعادة التأمين، فضلًا عن خضوعها لوصاية وزارة الزراعة بدل وزارة الاقتصاد، في مفارقةٍ تنظيميةٍ تعود إلى ستينيات القرن الماضي ولم تُصحّح حتى اليوم.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us