قضيّة أبو عمر: الخفايا المظلمة والصّراعات والمعركة القضائيّة

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
مع دخولها مرحلة قضائيّة حاسمة، تواصل قضيّة الأمير السعوديّ المزعوم، أبو عمر، تقسيم الرأي العام، حتّى في الأوساط القضائيّة. بين اعترافات مثيرة للجدل، واتّهامات تفتقر إلى أدلّة ملموسة، وشبهات تلاعب سياسيّ، يكشف الملفّ عن شبكة معقّدة تلتقي فيها الشخصيّات الدينيّة، وأصحاب الشّكاوى من ذوي التّاريخ المشبوه، وصراعات النّفوذ على أعلى المستويات.
تواصل قضيّة الأمير السعوديّ المزعوم، المعروف باسم أبو عمر، إثارة البلبلة في الأوساط السياسيّة، والقضائيّة، والدينيّة في لبنان. ومع دخولها مرحلة قضائيّة حاسمة، تزامناً مع توسّع نطاق الملاحقات، وتحويل الملفّ إلى قاضية التّحقيق لدى محكمة الدّرجة الأولى في بيروت، رولا عثمان، تشوب القضيّة خلافات عميقة متعلّقة بالتّفسيرات، حتّى في الأوساط القضائيّة.
أشار محامٍ ملمّ بمجريات التّحقيق لموقع Ici Beyrouth، فضّل عدم الكشف عن هويّته، إلى أنّ الكثير من العناصر الأساس في الرّواية السائدة تحتاج إلى تمحيص دقيق، مؤكّداً إنّ الوقائع المثبتة حتّى هذه المرحلة لا تتوافق بالضّرورة مع جسامة الاتّهامات الّتي يتداولها الرّأي العام على نطاق واسع.
التّحقيق القضائيّ
على الصّعيد القضائيّ، رفع المدّعي العام لدى محكمة الاستئناف في بيروت، رجا حاموش، دعاوى ضدّ عدة أشخاص. من بين هؤلاء الشّيخ السنيّ والقاضي البارز خلدون عريمط، وهو شخصيّة مؤثّرة في دار الفتوى، أعلى هيئة دينيّة سنيّة، ونجله محمّد الهارب حاليّاً، بالإضافة إلى مصطفى الحسيان، الميكانيكيّ العكّاريّ المعروف باسم أبو عمر، والشّيخ خالد السبسبي.
تشمل التّهم الموجّهة إليهم الاحتيال، وانتحال الشخصيّة، والابتزاز، وتقديم شهادات زور، والإساءة إلى العلاقات بين لبنان والمملكة العربية السعوديّة. وتتمحور القضيّة حول رجل يواجه تهمة الادّعاء بأنّه قريب من الديوان الملكيّ السعوديّ بهدف التّأثير على مسؤولين سياسيّين لبنانيّين، والحصول على مبالغ ماليّة، في ظلّ حالة ضعف مؤسّساتيّ كبير.
جرى استجواب بعض المسؤولين السياسيّين بصفتهم شهوداً، ونفى الجميع أي تورّط ماليّ، أو سياسيّ لهم. وبعد التّحقيق الأوليّ الّذي أجراه المدّعي العام لدى محكمة التّمييز، جمال الحجّار، أُحيل الملفّ إلى رجا حاموش، الّذي رفع بدوره الدعوى رسميّاً، ثمّ أحاله إلى القاضية رولا عثمان كي تباشر التّحقيقات المعمّقة، بما في ذلك تتّبع المسارات الماليّة، ومواجهة الرّوايات المتناقضة، وتقييم مصداقيّة الاعترافات المجموعة.
من هو مصطفى الحسيان؟
قدّمت النّيابة مصطفى الحسيان، الميكانيكيّ العكّاريّ، على أنّه منتحل هويّة أبو عمر. مع ذلك، يبقى هذا التّحديد موضع جدل حتّى في الأوساط القضائيّة.
وقال محامٍ لموقع Ici Beyrouth، إنّه من الصّعب تفسير كيف استطاع مواطن يفتقر إلى صفة رسميّة، على مدى سنوات، إيهام رؤساء ووزراء سابقين، ومسؤولين سياسيّين وأكاديميّين بارزين، بانتمائه إلى دوائر السّلطة السعوديّة.
ووفق التّحقيق، اعترف الحسيان بأنّه أبو عمر، غير أنّ هذه الاعترافات قد تكون جُمعت تحت ضغط شديد. وأكدّ المحامي الّذي تكلّم إلى موقع Ici Beyrouth على اختطاف المتّهم، والاعتداء عليه بعنف قبل استجوابه، لا سيّما تعرّضه لكسر في الفكّ. وتثير هذه الادّعاءات المدعومة بشهادات عائليّة، وفيديوهات منتشرة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، شكوكاً جديّة حول الظّروف الّتي جرى فيها جمع هذه الاعترافات، وتشكّل الآن نقطة محوريّة يتعيّن توضيحها في التّحقيق.
أحمد حدّارة: مدّعٍ بملفّ مثير للجدل
في قلب الملفّ، يبرز أحمد حدّارة كمدّعٍ رئيس في المسألة. ويؤكّد رجل الأعمال دفع عشرات الآلاف من الدولارات للشيخ خلدون عريمط، ووقوعه ضحيّة احتيال أبو عمر. حتّى المرحلة الرّاهنة، ووفق المصادر المطّلعة، لا يدعم أي دليل ماديّ موثوق هذه التصريحات ضمن الملفّ.
وأفاد المحامي إنّ حدارة أدّى دوراً رئيساً في تحويل القضيّة إلى ملفّ إعلاميّ، من خلال نشر مقاطع فيديو، وتكثيف تحرّكاته لدى المسؤولين السياسيّين والدبلوماسيّين، ما ساهم في فرض رواية اتّهامية انتشرت بسرعة على مستوى الرأي العام قبل اكتمال الملفّ القضائيّ. ومن بين الشخصيّات الّتي جرى التّواصل معها، وزير الداخليّة السّابق نهاد المشنوق، وهشام طبّارة، وسامر غضبان، كممثّلين لمكتب الأمير يزيد بن فرحان في بيروت.
ويثير ملفّ حدارة أيضاً الكثير من التساؤلات الأخرى، إذ تشير مصادر متعدّدة متطابقة إلى أنّ اسمه مرتبط بعائلة تملك سجلاً قضائيّاً حافلاً في الخارج، لا سيّما في أستراليا، حيث تُذكر عائلة حدارة في قضايا متعلّقة بالجريمة المنظّمة، والتّهريب، وتصفية الحسابات. وتؤكّد هذه الادّعاءات مقالات صحفيّة متعدّدة، وملفّات قضائيّة جرى نشرها على مرّ السنوات الماضية.
في هذه الأوساط، يُقدّم أحمد حدارة كعضو نشط ضمن العائلة، يعمل في بيئة من الشبكات المنظّمة، وثقافة صمت قويّة (الأوميرتا)، وأنشطة يُفترض أنّها غير قانونيّة. وتشير مصادر مقرّبة من الملفّ إلى أنّ هذا السياق يفسّر قدرته على التحرّك الإعلاميّ بسرعة، فضلاً عن وصوله إلى بعض الوساطات السياسيّة والأمنيّة.
ويثير هذا الوضع تساؤلات كثيرة لدى بعض القضاة والمراقبين، الّذين يدعون إلى دراسة دوره، ودوافعه، ومصداقيّة اتهاماته بشكل دقيق، في قضيّة تتجاوز بكثير نطاق النّزاع الماليّ البسيط.
ما الرّابط بين عريمط وأبو عمر؟
بينما قدّم أحمد حدارة شكوى ضدّ كل من الشيخ خلدون عريمط وأبو عمر، تظلّ طبيعة العلاقة بين المتّهميْن محور اهتمام الملف. ووفق ما أفاد المحامي لموقع Ici Beyrouth، يعود أول تواصل بين الطرفيْن إلى نحو ثلاث سنوات، عن طريق الشّيخ خالد السبسبي، الّذي قدّم أبو عمر كشخصيّة مرتبطة بدوائر السلطة السعوديّة.
تركّزت المناقشات، الّتي جرت حصريّاً بين عريمط وأبو عمر عبر الهاتف، على الوضع العام في لبنان والتّوازنات الإقليميّة، من دون أي طلب ماليّ، أو وعد بتدخّل سياسيّ. وتشير المصادر إلى أنّ الشيخ عريمط سعى للتحقّق من هويّة محاوره عبر الاستفسار لدى بعض المراجع المعروفة، من بينها رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة، والأستاذ رضوان السيد، وفهد الركّاف، المعرّف كمتخصّص في الملفّ اللبنانيّ. وأكّد كل من رضوان السيّد، وفهد الركّاف معرفتهما بهذه الشخصيّة، حيث جرى التّواصل مع الركّاف عبر رقم سعوديّ زوّده به خالد السبسبي.
واستمرّت الاتّصالات، بما في ذلك خلال فترة إقامة الشيخ عريمط الطبيّة في دبي، حيث عرض أبو عمر نقله إلى الرياض لتلقّي العلاج على نفقة المملكة، وهو عرض رُفض لأسباب عائليّة. كما تحدّث عن نيّة منح الشيخ عريمط الجنسيّة السعوديّة، من دون أن يتحوّل هذا العرض إلى أي إجراء رسميّ. وحتّى اليوم، لا يوجد أي مستند يثبت حصول الشيخ عريمط على جواز سفر أو جنسيّة سعوديّة، وفق المصدر عينه.
وبعد عودته إلى بيروت، طلب أبو عمر تسهيل اتّصالات مع بعض الشخصيّات السياسيّة، من بينها نائب بيروت فؤاد مخزومي، والوزير السابق محمد شقير، وهو ما وافق عليه الشيخ عريمط. ومع ذلك، بحسب المعطيات المدرجة في الملف، كان أبو عمر على اتّصال مباشر مع بعض المسؤولين السياسيّين، بينهم رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة منذ عام 2018، أي قبل أي تفاعل مع الشيخ عريمط، الّذي لم يتعرّف إليه سوى في عام 2023.
وعلى الصّعيد الماليّ، لا توجد حتّى هذه المرحلة أي أدلّة ماديّة دامغة، مثل تحويلات مصرفيّة، أو مستندات مكتوبة، أو شهادات متطابقة، تثبت حصول الشيخ عريمط على أي مبالغ ماليّة، كما أنّه لم يلتقِ بأبو عمر وجهاً لوجه على الإطلاق.
ما وراء الاحتيال: صراع النّفوذ
استنكر محامون مقرّبون من الملفّ، استشارهم موقع Ici Beyrouth مسبقاً، الاتّهامات ذات الطّابع السياسيّ، واعتبروا ظروف الاحتجاز تعسفيّة. ويشير هؤلاء إلى أنّ القضيّة تندرج ضمن سياق أوسع من التنافسات الداخليّة في داخل المجتمع السنيّ، وصراعات النّفوذ، وفراغ القيادة، لا سيّما منذ انسحاب رئيس الوزراء السابق سعد الحريري من الحياة السياسيّة عام 2022.
واليوم، بات الملف في يد قاضية التّحقيق الابتدائيّ في بيروت، رولا عثمان. وستحدّد الجلسات المقبلة، والتّقارير الخبريّة ما إذا كانت قضيّة أبو عمر مجرّد عملية احتيال متقنة ومتعدّدة التشعّبات، أم أنّها تُخفي صراعاً سياسيّاً أعمق، حيث تتحوّل العدالة إلى ساحة مواجهة أوسع بكثير من مجرّد عمليّة احتيال بسيطة.




