من طلبات البيتزا إلى مسارات الطيران: كيف تكشف البيانات المفتوحة وجه الحروب؟

كتبت Rayan Chami لـ“Ici Beyrouth”:
عندما تتصاعد التوتّرات بين الدّول، لا تبقى العلامات الأولى محصورة في غرف الإحاطة المغلقة، أو المراسلات السريّة. فهي تظهر اليوم في العلن، على مواقع تتبّع الرّحلات الجويّة، وفي صور الأقمار الصناعيّة، وعلى منصّات التّواصل الاجتماعيّ. وفي بعض أركان الإنترنت، تخضع حتّى توصيلات البيتزا قرب البنتاغون للتّدقيق.
يُعرف هذا العالم من المعلومات العامة باسم الاستخبارات المفتوحة المصدر (OSINT) . اقتصرت هذه الممارسة على المتخصّصين في السّابق، غير أنّها أصبحت الآن أداة أساسيّة يستخدمها الصحافيّون، والباحثون، والمحلّلون، في محاولة لتتبّع الحروب، والهجمات، والنّشاط العسكريّ، لحظة بلحظة.
يكمن سرّ جاذبيّة هذه الممارسة في بساطتها، فكثير من البنى التحتيّة الّتي تقوم عليها حياتنا اليوميّة تولّد بيانات مفتوحة. تبثّ الطّائرات مواقعها، وتلتقط الأقمار الصناعيّة صور الأرض مرّات متعدّدة يوميّاً، ويوثّق المدنيّون الأحداث بهواتفهم النقّالة. معاً، تكشف هذه المصادر نافذة غير مسبوقة توضح كيفيّة تطوّر النّزاعات.
أداة رصد لا تنبّؤ
تشير الاستخبارات المفتوحة المصدر إلى جمع المعلومات المتاحة قانونيّاً للعامة، وتحليلها، بما في ذلك التّقارير الإعلاميّة، وصور الأقمار الصناعيّة التجاريّة، ومحتوى وسائل التّواصل الاجتماعيّ، والبيانات الحكوميّة. وعلى عكس الاستخبارات السريّة، فهي تعتمد على الوضوح والشفافيّة بدلاً من السريّة.
برز تأثير الاستخبارات المفتوحة المصدر بشكل جليّ في النّزاعات الأخيرة. ففي خلال غزو روسيا لأوكرانيا، استخدم محلّلو المصادر المفتوحة مقاطع الفيديو، والصّور المعلّمة جغرافياً المنشورة على الإنترنت، بهدف تأكيد الضّربات، ورسم خطوط الجبهات، وتوثيق خسائر المعدّات. واستشهد بها الباحثون، ووسائل الإعلام، على نطاق واسع، وغالباً ما ملأت ثغرات تسبّبت بها المعلومات الرسميّة المحدودة.
إنّما، ورغم تأثيرها المتزايد، تنطوي الاستخبارات المفتوحة المصدر على حدود واضحة: فهي نادراً ما تتنبّأ بالحروب قبل اندلاعها، لكنّها تتفوّق في التحقّق من الأحداث، مؤكّدة ما سبق وحصل، وأين حصل ذلك، وحجم ذلك.
رغم ذلك، لم يمنع هذا مراقبين الإنترنت من البحث عن علامات تحذير مبكرة في أماكن غير متوقعة.
مؤشّر بيتزا البنتاغون: إشارة أم خرافة؟
يشكّل مؤشّر بيتزا البنتاغون، القائم على فكرة أنّ الارتفاع المفاجئ في طلبات البيتزا الليليّة قرب وزارة الدّفاع الأميركية قد يعكس نشاطاً عسكريًا مكثّفاً، واحداً من أشهر الأمثلة المتداولة، إذ يعمل الموظّفون لساعات إضافيّة في أثناء أوقات الأزمات.
تفتقر هذه النظريّة، الّتي تعاود الظّهور بشكل متكرّر في خلال فترات التوتّر الدوليّ، لأي أساس علميّ، ويعتبرها الخبراء مجرّد روايات شفهيّة. إذ تتغيّر طلبات المطاعم لأسباب مختلفة، وما من دليل يثبت أي علاقة سببيّة بينها وبين النّشاط العسكريّ.
على الرّغم من التّغطية الإعلاميّة بين الحين والآخر، لم تقرّ وزارة الدّفاع على هذه النظريّة، أو تعلّق رسميّاً عليها.
مع ذلك، يستمرّ هذا المفهوم، لا سيّما على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، لأنّه يعكس فكرة أوسع في ثقافة الاستخبارات مفتوحة المصدر، إذ تترك المؤسّسات الكبيرة آثاراً يمكن رصدها في سلوكيّات الحياة اليوميّة.
بالنسبة إلى الصحافيّين والمحلّلين، مؤشّر البيتزا ليس مؤشّراً جادّاً بقدر ما هو تنبيه إلى وجود مخاطر التّفسير المفرط، والفصل الدّقيق بين التّحليل والتكهّن.
تتبّع الرّحلات والرّؤية العسكريّة
الأكثر جوهريّة هو الاعتماد على بيانات تتبّع الرّحلات الجويّة. وتجمع منصّات مثل Flightradar24 المعلومات الّتي تبثّها الطّائرات عبر أنظمة الترانسبوندر المفتوحة، ما يمكّن المستخدمين من مراقبة الرّحلات، في وقتها الفعليّ تقريباً.
استخدم الصحافيّون والباحثون هذه البيانات لتتبّع السّفر الدبلوماسيّ، واللّوجستيّات العسكريّة، وعمليّات الإخلاء. في بعض الحالات، تكشف أنماط الطّيران غير المعتادة، أو رحلات الشّحن المتكرّرة، أو تجمّع الطّائرات في مناطق محدّدة، عن مؤشّرات مبكرة تتعلّق بتطوّرات محتملة.
ولم تغفل الحكومات عن هذه الرّؤية. فقد أعرب المسؤولون العسكريّون في دول مختلفة عن مخاوفهم من أنّ تتبّع الرّحلات المفتوح قد يكشف تحرّكات حسّاسة، وتفاصيل عملياتيّة. تخفي اليوم بعض الطّائرات تحرّكاتها عمداً، أو تبتعد عن المنصّات العامة، رغم أنّ الحفاظ على هذا الإخفاء بشكل دائم ليس سهلاً.
وتسلّط هذه التوتّرات الضّوء على تحدٍّ أوسع: فالنّظم الحديثة مصّممة للشّفافية والكفاءة، لا للسريّة. وتزدهر في هذا السّياق الاستخبارات المفتوحة المصدر.
حدود البيانات المفتوحة
أدّى ازدهار الاستخبارات مفتوحة المصدر إلى انطباع مفاده أنّه يمكن تكهّن الحروب الحديثة بالكامل، وأنّ كل شيء يترك أثراً، ولا شيء يبقى مخفيّاً. لكنّ الرّؤية لا تعني الفهم.
يمكن للبيانات المفتوحة توضيح الحركة والنّتائج، لكنّها نادراً ما تكشف عن عمليّة اتّخاذ القرار أو النّوايا. يمكنها توثيق الضّربات، لكنّها لا تكشف الحسابات الّتي تقف خلفها. وفي بعض الحالات، قد تثير الرّؤية في الوقت الفعليّ قضايا أخلاقيّة، بما في ذلك مخاطر كشف المدنيّين، أو العمليّات الإنسانيّة الحسّاسة.
مع ازدياد ظهور الصّراعات على الإنترنت، لم يعدِ الوصول إلى المعلومات هو التحدّي، بل كيفيّة تفسير المعلومات.
انطلاقاً من مسارات الطّيران، وصولاً إلى صور الأقمار الصناعيّة، وأحياناً إلى طلبات البيتزا، غيّرت البيانات المفتوحة الطّريقة التي تُراقب بها الحروب والتّهديدات. جعلت الاستخبارات مفتوحة المصدر الصّراع أكثر شفافية، وأسرع في التّوثيق، وأصعب في الإنكار.
لكنّها لم تجعل الحرب قابلة للتنبّؤ.
بدلاً من ذلك، تقدّم صورة للأحداث، مجزّأة وآنيّة، صورة تستدعي الحذر، واستحضار السياق، وضبط النّفس. وفي زمن أصبح كل شيء تقريباً مرئيّاً، تبقى المهمّة الأصعب هي إدراك المعنى الحقيقيّ لما يحدث.




