عجلة الإعمار تدور ببطء ولبنان في حالة انتظار

ترجمة هنا لبنان 17 كانون الثاني, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

كلما انقلبت صفحة من صفحات الحرب، يجد لبنان نفسه بمواجهة تحدي إعادة الإعمار. وها هو اليوم بعد مضيّ أكثر من عام على وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، لا يزال في حالة من الترقب والانتظار وهو أبعد ما يكون عن إتمام هذه المهمة.
وها هو لبنان مدعوّ بعد 20 عامًا على حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، لحمل وزر المهمة الشاقة نفسها: التعامل مع الدمار الهائل الذي خلفته الحرب. من الضاحية الجنوبية لبيروت إلى قرى الجنوب، سبحة المشاهد تتكرر: طرق مقطوعة، واجهات مبانٍ مدمرة، والأهم من ذلك، جبال من الحطام تعكس حجم الفوضى والدمار.
وعلى الرغم من انطلاق أعمال إزالة الأنقاض، يبقى الكثير بعد قبل أن تستعيد القرى شكلًا من أشكال الحياة الطبيعية وأن يتمكن السكان من العودة إلى منازلهم. ولا شك بأنّ كل عمل، مهما كان صغيراً كإزالة الردم عن طريق أو رفع حطام يعدّ انتصاراً، لكن حجم الدمار، الذي تقدره وزارة البيئة ما بين 12 و15 مليون متر مكعب، يوضح ضخامة المهمة. بين الخرسانة المسلّحة والمعادن والأجهزة الإلكترونية ومواد البناء الأخرى، تشكل إدارة هذه الكميات من النفايات تحديًا لوجستيًا وتقنيًا وبيئيًا غير مسبوق.
وفي هذا السياق، تولى المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) رسم خرائط للمناطق المتضررة باستخدام صور الأقمار الصناعية. وعلى الرغم من درجة التقدم الفعلي في إزالة الأنقاض، لا تتوفر بيانات دقيقة ورسمية حتى الساعة.

مواقع مؤقتة لاحتواء الفوضى
بمواجهة هذا الوضع الطارئ، سارعت الحكومة لإنشاء مواقع مؤقتة لتخزين الأنقاض، وعددها 46 موقعًا وفق ما صرح مصدر وزاري لـ  Ici Beyrouth. وتوفر هذه المواقع مساحات مؤقتة بانتظار تحديد أماكن نهائية أكثر أمانًا واستدامة. وهي تُدار من قبل هيئات محلية مثل: مجلس الجنوب واتحاد بلديات الضاحية الجنوبية لبيروت والهيئة العليا للإغاثة في البقاع، وغيرها من السلطات البلدية، بينما تشرف وزارة البيئة على تنفيذ معايير صارمة لتقليل المخاطر البيئية والصحية.
تبقى هذه المواقع حتى الساعة بحكم مستودعات مؤقتة. “نباشر بتصنيف الأنقاض، وتحديد ما يمكن إعادة استخدامه وما يجب عزله”، حسب المصدر نفسه. الأولوية في البداية كانت لفتح الطرق والمناطق المتاحة لتمكين السكان من العودة تدريجيًا إلى قراهم، طالما أنّ الوضع الأمني يسمح بذلك.

الاقتصاد الدائري وإعادة البناء
جزء أساسي من استراتيجية إزالة الأنقاض يقتضي باستعادة المواد وإعادة استخدامها. ويمكن دمج ما يصل حتى 80٪ من الحطام في الاقتصاد الدائري، بما في ذلك المعادن وبعض أنواع الخرسانة. ويتم فرز المواد المسترجعة وإرسالها إلى مراكز متخصصة أو إعادة بيعها لتمويل عملية إزالة الأنقاض، مما يقلل من التكلفة الإجمالية للعملية. ويهدف هذا الأسلوب أيضًا إلى منع تراكم النفايات أو وصولها إلى البحر، كما حدث بعد حرب 2006.
ومن ضمن المشاريع، مشروع LEAP (Lebanon Emergency Assistance Project)، الذي وافق عليه البرلمان والممول من البنك الدولي. ويعتمد المشروع على أربعة محاور رئيسية: جرد وتصنيف المواقع المؤقتة لفهم تركيب الحطام. ومن ثم، فرز وإعادة استخدام المواد في مراكز متخصصة، بهدف دمج حتى 80٪ من المواد في الاقتصاد الدائري. ونقل الحطام إلى محاجر متوقفة محددة للاستخدام النهائي. وأخيراً، إعادة تأهيل هذه المواقع بعد ملئها. وفي السياق عينه، تستمر الدراسات البيئية والاجتماعية لتفادي أي أخطار جديدة على السكان المحليين نتيجة إعادة استخدام الحطام”، حسب المصدر نفسه.

العقبات أمام مشروع ضخم
لكن العجلة تتحرك ببطء شديد.. وذلك لأسباب متعددة: نقص الموارد المالية والتقنية والقضايا الأمنية بسبب قرب بعض المواقع من مواقع عسكرية وصعوبة التنسيق بين مختلف الجهات (الوزارات، البلديات، المجالس الإقليمية، والممولين الدوليين). أما التمويل، الذي ينبع بشكل رئيسي من قرض البنك الدولي، فمشروط بتنفيذ إصلاحات ومعايير بيئية صارمة، مما يؤخر بدء العمل الكامل.
وتختلف تكلفة إزالة الأنقاض حسب نوع المباني: حطام المنازل الريفية أرخص من المباني الحضرية بسبب كثافة المواد ونوعها. وحاليًا، تسعى السلطات لخفض التكاليف من خلال فرز المعادن وبيعها، وهو ما يدعم الاقتصاد الدائري ويقلل النفقات التشغيلية.

متى تصل الأمور إلى خواتيمها؟
إذا سارت العمليات كما هو مخطط لها: المرحلة الأولى، التي تتمحور حول تصنيف وفرز الحطام، بدأت بالفعل. أما المراحل التالية، مثل النقل إلى المواقع النهائية وإعادة التأهيل، فتعتمد على توفر التمويل وإكمال الدراسات البيئية. وتقدّر السلطات أنّ إزالة جميع الأنقاض وإعادة استخدامها قد تستغرق عدة سنوات، قبل أن تعود القرى والأحياء الأكثر تضررًا إلى حالة شبه طبيعية.

وأخيراً في لبنان، فإنّ إعادة الإعمار لا تعني مجرد إزالة الركام وبناء الجدران من جديد. إنّ العجلة التي تدور ببطء إنما تؤكد أنّ العملية معركة طويلة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والمال والبيئة والتنسيق بين مؤسسات الدولة… مهمة شاقة بحجم الدمار نفسه، لكنها مسألة حيوية وضرورة لا مفر منها.. على أمل أن يتحول الركام إلى حياة، وتُعلن الحكومة أخيرًا أنّ المهمة قد أنجزت على جميع المستويات.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us