سوريا: نهاية الحلم الكردي بالحكم الذاتي؟!

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
تساؤلات كثيرة تثيرها بنود اتفاق وقف إطلاق النار الموقع الأحد بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية، بعد أسبوعين من المواجهات العنيفة. فالبنود التي تبدو قاسية وغير متوازنة بحق الأكراد، قد تشكّل نقطة تحول حاسمة في مستقبل الحكم الذاتي الكردي في شمال شرق سوريا. فهل ينهار مشروع الإدارة الذاتية، الذي عملت هذه الأقلية على بنائه لأكثر من عشر سنوات؟
هجوم خاطف يقلب موازين القوى
التصعيد العسكري بدأ في أوائل كانون الثاني، بعد اندلاع توترات بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب. وما بدا كمجرد مناوشات محلية في البداية، سرعان ما تحوّل إلى هجوم حكومي واسع النطاق.
وخلال أسبوعين فقط، تمكنت القوات السورية من السيطرة على مساحات واسعة، أبرزها محافظة دير الزور الاستراتيجية الغنية بالنفط والقمح، بالإضافة إلى أجزاء كبيرة من محافظة الرقة.
هذا التقدّم وصف، حسب المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي، بأكبر توسّع ميداني يحققه النظام السوري منذ سقوط بشار الأسد في كانون الأول 2024. فقد انتقلت أكثر من 40% من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة الأكراد، بما في ذلك أبرز حقول النفط والغاز في البلاد، إلى سلطة دمشق.
شروط قاسية
اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع يفرض شروطًا بالغة الصعوبة على قوات سوريا الديمقراطية. وينص الاتفاق، المؤلف من 14 بندًا، على دمج جميع المقاتلين الأكراد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية السوريّتين كأفراد، وليس كوحدات عسكرية مستقلة، كما كانت تطالب به قوات قسد. وتكمن أهمية هذا التفصيل في أنه يجرّد الأكراد من أي بنية عسكرية مستقلة داخل الجيش الوطني.
وضمن بنود الاتفاق، استعادة الحكومة السورية السيطرة على جميع المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، إضافة إلى السجون والمخيمات التي تضم مقاتلي تنظيم داعش وعائلاتهم. كما يلزم الاتفاق قوات قسد بالانسحاب من محافظتي دير الزور والرقة، مع الإبقاء على وجود محدود في محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية، على أن يتم تعيين المحافظ هناك بالتوافق مع دمشق.
وفي هذا السياق، حذرت لارا نيلسون، المديرة السياسية في مركز “إيتانا سوريا” البحثي، في تصريح نقلته صحيفة “نيويورك تايمز”، من أن “هذا الاتفاق أشبه بنهاية قوات سوريا الديمقراطية”. ويعزز هذا التقييم مقارنة الاتفاق الحالي باتفاق سابق وُقّع في 10 آذار 2025، نصّ آنذاك أيضًا على الدمج من دون تنفيذه. غير أن الاتفاق الجديد يأتي في سياق ميداني مختلف، بعدما فقد الأكراد جزءًا كبيرًا من مواقعهم، ما وضعهم في موقع تفاوضي أضعف بكثير.
العوامل المحتملة خلف الانهيار الكردي
يمكن تفسير انهيار قوات سوريا الديمقراطية على الأرض، بعوامل عدة. أولها يتمثل بتغيّر ولاءات العشائر العربية السنية في محافظتي دير الزور والرقة. فهذه المجموعات، ذات الغالبية العربية، كانت تعاني منذ سنوات من الإدارة الكردية. الأمر الذي دفعها للانضمام إلى القوات الحكومية، وهذا ما سهّل انتقال السيطرة على تلك المناطق.
العامل الثاني يتمثل بغياب معارضة دولية فاعلة، ما أتاح للرئيس السوري أحمد الشرع هامش تحرك واسع. فالولايات المتحدة، الحليف الأبرز لقوات قسد في محاربة تنظيم داعش، وجدت نفسها أمام معادلة معقّدة بين شريكين. وقد وصف المبعوث الأميركي توم باراك الاتفاق كـ “نقطة تحوّل حاسمة”، في إشارة إلى الصعوبة التي تواجهها واشنطن في الدفاع عن حلفائها الأكراد، في ظل دعمها المتوازي للحكومة السورية.
الضغط التركي وتفكك الحكم الذاتي
الضغوط التركية لعبت دورًا حاسمًا في تطور المشهد على الأرض، إذ إن أنقرة تنظر إلى قوات سوريا الديمقراطية كامتداد لحزب العمال الكردستاني، الذي تخوض ضده صراعًا مسلحًا منذ عام 1984. وبموجب الاتفاق، تُلزم قوات قسد بإخراج جميع العناصر غير السورية المرتبطة بالحزب، وهو مطلب صريح لتركيا منذ أعوام طويلة.
وعلى الأرض، تعكس التطورات الأخيرة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية مدى هشاشة الوضع الكردي. ووفقًا لمركز “روجافا” للمعلومات، تعرّضت هذه المناطق، التي حافظت على قدر من الحكم الذاتي منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، لقصف مكثف.
وتسبب القصف بتدمير أكثر من 300 منزل وتضرر المستشفى الرئيسي، ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين. وقد نُفذت هذه العمليات من قبل فصائل سابقة في “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، والتي جرى دمجها لاحقًا في صفوف الجيش السوري النظامي.
هذه المشاهد تعيد إلى الأذهان أعمال العنف ذات الطابع الطائفي التي شهدتها البلاد عام 2025، حين قُتل نحو 1500 علوي وأكثر من ألف درزي على يد قوات موالية للحكومة، ما يعزز مخاوف الأكراد من مواجهة مصير مماثل.
الغموض يكتنف المستقبل
على الرغم من بعض التنازلات الرمزية (الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية وإقرار عيد “النوروز” يوم عطلة رسمية)، يبدو أن اتفاق 18 كانون الثاني يوجّه ضربة قاسية لمشروع الحكم الذاتي الكردي في سوريا. فالإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق البلاد، المعروفة باسم “روج آفا”، المولجة إدارة شؤون التعليم والقضاء والخدمات العامة، ستجد نفسها مضطرةً للخضوع لسلطة دمشق المركزية.
ومن شأن تنفيذ هذا الاتفاق تعزيز موقع الرئيس السوري أحمد الشرع بالتوازي مع إضعاف تطلعات باقي الأقليات، ولا سيما الدروز، إلى أي شكل من أشكال الحكم الذاتي، وفقًا للمعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي. وبالتالي، يبدو أن توجه القيادة السورية نحو إعادة توحيد البلاد وفق نموذج مركزي بات اليوم أكثر وضوحًا.
أما بالنسبة للأكراد السوريين، الذين يشكلون نحو 10% من سكان البلاد، يصطدم حلم تقرير المصير الذي وُلد من رحم الفوضى إبان الحرب الأهلية، اليوم بواقع سلطة مركزية استعادت زمام المبادرة. وهي سلطة لا تبدي استعدادًا لقبول أي صيغة من صيغ اللامركزية. ويبقى السؤال مطروحًا: هل يمثل هذا الاتفاق نهاية نهائية لتطلعاتهم، أم أنه مجرد فصل جديد في مسار طويل من السعي نحو الحكم الذاتي؟




