التلفزيون الرسمي الإيراني.. راعي الاعترافات القسرية

ترجمة هنا لبنان 21 كانون الثاني, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

مشاهد غير مألوفة وثقيلة الدلالة عرضها التلفزيون الرسمي الإيراني في الأيام الأخيرة: رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، يستجوب شخصيًا معتقلين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة. هذه المشاهد تذكر بممارسة قديمة في الجمهورية الإسلامية تُعرف بـ”الاعترافات القسرية”، حيث تُنتزع التصريحات تحت الضغط وتُعرض كدليل يثبت التهمة أو “الذنب السياسي”.
الفيديوهات تظهر إجئي وهو يستجوب عدة معتقلين تتهمهم السلطات بـ”إثارة الشغب”. اثنتان من النساء، وُجهت لهما الكاميرات بعد إخفاء وجوههن جزئيًا، انهارتا بالبكاء أثناء الاستجواب، في مشهد شديد الرمزية. الهدف من هذا العرض واضح: إظهار قدرة الدولة على السيطرة وعلى الحكم وعلى الإدانة.. كل ذلك أحيانًا في لقطة واحدة.
اللافت أنّ هذه العملية لم تقتصر على البث التلفزيوني فقط. ففي اليوم السابق، قضى إجئي نحو خمس ساعات داخل سجن في طهران لمراجعة ملفات المعتقلين، وكانت الكاميرات حاضرة أيضًا، ما يجعل هذه الزيارة جزءًا من استعراض علني للسلطة، يحمل رسالة واضحة للمحتجين وللرأي العام.

إجئي: شخصية مركزية في جهاز القمع الإيراني
محسني إجئي ليس قاضيًا عاديًا. فقد شغل مناصب حساسة منذ الثمانينيات، بدءًا من تمثيل السلطة القضائية في وزارة الاستخبارات، مرورًا بالنيابة العامة، ثم وزيرًا للاستخبارات، وصولًا إلى رئاسة السلطة القضائية منذ تموز 2021. هذا المنصب يجعله أحد أقوى الشخصيات بعد المرشد الأعلى، ويعكس ارتباطه الوثيق بالجهاز القمعي للدولة، حيث السلطة القضائية لا تقتصر على فض النزاعات المدنية، بل تعمل كأداة سياسية للضغط والسيطرة.
يحمل وجود إجئي على رأس السلطة القضائية بعدًا مزدوجًا: رمزيًا، فهو يبرز الدور المركزي للجهات القضائية في قمع المعارضة الاجتماعية والسياسية؛ وعمليًا، فهو يجسد تقاطع الأجهزة الأمنية والقضائية، ما يؤثر مباشرة على معالجة القضايا السياسية وحكمها، ويعكس طبيعة النظام الإيراني الذي يدمج بين القانون والسياسة والأمن.
على المستوى الدولي، تزخر مسيرة إجئي بالجدل، حيث خضع لعقوبات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما المتعلقة بقمع الاحتجاجات وتطبيق سياسات قضائية قسرية.

العدالة.. أداة للقمع
أصبح القضاء في إيران، أداة مباشرة للسلطة وليس فقط لتطبيق القانون. وفقًا للمادتين 477 و350 من القانون الجنائي الإيراني، وبالاستناد إلى تفسير الدولة للشريعة، فوَّض المرشد الأعلى رئيس القضاء بالقدرة على إصدار أحكام الإعدام و”قصاص” الجرائم، أي عقوبة مماثلة للجريمة المرتكبة.
كل ذلك يخول رئيس القضاء إصدار حكم بالإعدام أو تطبيق عقوبات جسدية في القضايا التي تُعتبر تهديدًا كبيرًا للنظام أو للأمن العام. ولا يقتصر ذلك عليه فقط، بل ينسحب على أول نائب له، يمتلك نفس السلطة في إصدار أحكام الإعدام والقصاص، ما يزيد دائرة اتخاذ القرارات حول العقوبات القاسية، مع بقاء السيطرة النهائية بيد القيادة العليا.
من منظور القانونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، يشكل هذا التركيز للقوة مشكلة كبيرة: إذ يترك سلطات شبه سيادية في يد مسؤولين غير منتخبين، دون ضمانات للاستقلال القضائي أو رقابة فعلية. وفي سياق الاحتجاجات الاجتماعية، تتيح هذه القوانين للسلطات استخدام القمع بشكل قانوني، وتحويل أي حادثة مرتبطة بالمظاهرات أو الاضطرابات إلى قضايا قد تصل فيها العقوبة إلى أقصى الحدود.

الاعترافات القسرية.. أداة سياسية
وعادت ظاهرة الاعترافات التلفزيونية القسرية بشكل واسع، خصوصاً بعد المظاهرات الأخيرة. حيث بثّت التلفزيونات الحكومية خلال أيام قليلة عشرات الاعترافات لأشخاص اتهمتهم السلطات بمهاجمة قوات الأمن أو المشاركة في أعمال عنف أثناء الاحتجاجات. هذه المشاهد، المصورة في الغالب بالقوة أو بعد التعذيب، تُستخدم لتشويه صورة الاحتجاجات، وفرض الرواية الرسمية للأحداث وتبرير العقوبات القاسية على المتهمين.
هذه الممارسة ليست جديدة على الإطلاق، بل تعود لبدايات للجمهورية الإسلامية، وارتبطت بجميع موجات الاحتجاج الكبرى. النمط المتكرر هو نفسه: اعتقالات واسعة واحتجاز سري واستجوابات طويلة، ثم بث سريع للاعترافات المصورة، قبل توجيه أيّ تهمة رسمية أو محاكمة مستقلة.
وبدأت وسائل الإعلام الحكومية حسب منظمات حقوق الإنسان، بعرض هذه الاعترافات القسرية بعد أيام قليلة من انطلاق الاحتجاجات، وهو ما يدل على أنّ الأشخاص يجبرون على الاعتراف تحت ضغط شديد. ويشمل ذلك الضغوط النفسية وتهديد الأقارب والحرمان من النوم، وأحيانًا العنف الجسدي لإجبار المحتجزين على قراءة نصوص مكتوبة مسبقًا أمام الكاميرات.
من الناحية القانونية، تنتهك هذه الممارسات المبادئ الأساسية للقانون الجنائي، بما في ذلك التزامات إيران الدولية، إذ أن البلاد وقعت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يمنع التعذيب ويضمن حق المحاكمة العادلة وحق المتهم بعدم الإدانة الذاتية. في الواقع، هذه الاعترافات التلفزيونية تتجاوز القضاء: فهي تحكم على المتهمين رمزيًا قبل أي قرار قضائي، وتؤثر مباشرة على مجريات المحاكمات، التي غالبًا ما تكون سريعة وغير عادلة.
وفي المحصلة، لا يكتفي التلفزيون الحكومي الإيراني بنقل الرواية الرسمية، بل بات جزءًا من جهاز القمع نفسه. الاعتراف لم يعد مجرد دليل، بل أداة للسيطرة على المجتمع، لكسر الأفراد وإرهاب المحتجين، وخلق حالة خوف عام. ويكشف استخدام الاعترافات القسرية بهذا الشكل تخبط السلطة.. فحين تتحول العدالة إلى عرض مسرحي، تنكشف هشاشة السلطة وعجزها عن فرض الرضا، فتكتفي بالترهيب والتهويل.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us