4 آب: القضاء يفرمل محاولات التسويف

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
عشرة مليارات ليرة لبنانية هو المبلغ الذي سيُلزَم النائبان علي حسن خليل وغازي زعيتر بدفعه لكل من ضحايا انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في 4 آب 2020. القرار يشكّل سابقة قضائية في لبنان، حيث يكرّس مبدأ منح تعويضات للمتضرّرين من الكارثة.
بالعودة إلى الوقائع، وتحديداً في العام 2022، تقدم مكتب الادعاء في نقابة المحامين في بيروت، نيابة عن ضحايا الانفجار، بدعوى مسؤولية مدنية استندت إلى إساءة استخدام حق التقاضي، وهذا يعني استخدام القضاء كوسيلة للتسويف ولتعطيل التحقيق.
وهناك هدفان رئيسيان وراء هذه الخطوة: أولًا، التعويض عن الضرر الناتج عن التأخيرات التي سبّبتها كثرة الطعون وطلبات ردّ القاضي. وثانيًا، ترسيخ أثر ردعي يحول دون استخدام الإجراءات القضائية بشكل تعسفي أو لتسويف سير التحقيق وتعطيله.
وتجدر الإشارة إلى أنّ التحقيق القضائي الذي يقوده قاضي التحقيق طارق البيطار لا يزال متعطّلًا بسبب سلسلة مستمرة من العوائق الإجرائية. وعلى الرغم من أنّ التركيز يتمحور في الغالب حول المسؤوليات السياسية والجزائية، برز مسار آخر لا يقلّ أهمية تدريجيًا، يتمثّل في استخدام الطعون القضائية لتعليق عمل القاضي أو إبطائه، أو حتى شلّه بالكامل.
وفي هذا السياق تحديدًا، أصدرت الغرفة السادسة في المحكمة الابتدائية في بيروت حكمها بتاريخ 16 كانون الثاني 2026 حيث درست تعسف النائبين غازي زعيتر وعلي حسن خليل في استخدام حق ردّ القضاة الناظرين، وخلصت إلى أنّ هذا السلوك يشكّل إساءة لاستخدام حق التقاضي فيما يبدو كاستراتيجية لتعطيل التحقيق.
والجدير بالذكر أنّ حق طلب ردّ القاضي هو حق أساسي لضمان المحاكمة العادلة، لكنه ليس مطلقًا ويتعين استخدامه بحسن نيّة، دون استثماره كأداة لتعطيل العدالة.
حق أساسي… لكن بشروط
يُعدّ حق طلب ردّ القاضي ضمانة جوهرية للمحاكمة العادلة، إذ يتيح لأي طرف التشكيك في حياد القاضي عند وجود أسباب جدّية للشك في نزاهته، ويأتي ضمن حق الدفاع مكفولاً بالدستور اللبناني.
غير أنّ الغرفة السادسة في المحكمة الابتدائية في بيروت تؤكد أنّ هذا الحق ليس مطلقًا. فقانون أصول المحاكمات المدنية يشترط الممارسة بحسن نيّة ودون أي تحايل أو استغلال لتعطيل العدالة. وبناءً عليه، لا يقتصر الموضوع على الحق النظري بطلب ردّ القاضي، بل يشمل مدى الالتزام بالمعايير القانونية في الممارسة.
تكاثر الطعون وتعطيل التحقيق
وذكرت المحكمة في حيثيات حكمها أنّ النائبين غازي زعيتر وعلي حسن خليل قدّما، على مدار سنوات، اثني عشر طلب ردّ، استهدفت ليس فقط قاضي التحقيق المكلف بالتحقيق في انفجار 4 آب، بل أيضًا القضاة المعنيين بالبتّ في هذه الطلبات.
الطعون – التي رُفضت جميعها– قدمت أمام جهات قضائية مختلفة، وأحيانًا في الفترة نفسها، دون انتظار صدور القرارات في الدعاوى القائمة، حتى بعد أن حددت محكمة التمييز بهيئتها العامة الجهة القضائية المختصة بالنظر في طلب ردّ القاضي بوضوح.
وبما أنّ القانون يلزم القاضي المطلوب ردّه بتعليق عمله طوال فترة النظر في الطلب، أدى هذا التراكم في الإجراءات، وفقًا للمحكمة، إلى جمود شبه دائم ومنع أي تقدم جوهري في مسار التحقيق.
من الخلاف القانوني إلى إساءة الاستخدام
الغرفة السادسة في المحكمة الابتدائية في بيروت حريصة في هذا السياق، على التمييز بين الخلاف القانوني المشروع وبين إساءة استعمال الحق. وهي تقرّ بأنّ للمدعى عليه الحق في الطعن بصلاحية القاضي أو بتفسيره للنصوص القانونية.
غير أنّ المحكمة ترى أنّ التكرار المنهجي لنفس الطعون في هذه القضية تحديدًا، وتقديم طلبات غير مقبولة قانونيًا، والطعن في قرارات نهائية وغير قابلة للاستئناف، لا يمثل نقاشًا قانونيًا جادًا، بل يعكس رغبة واضحة في إطالة أمد التعطيل.
كما شدّدت المحكمة على أنّ الشخصين المعنيين واصلا تقديم طلبات جديدة، بما في ذلك ضد القضاة المكلّفين بالبتّ في طلباتهم نفسها، وهو ما يُظهر، حسب القرار، نيّة صريحة بتعليق التحقيق إلى أجل غير مسمّى.
عقوبة استثنائية لإساءة استعمال الحق
وبعد ثبوت إساءة واضحة لاستعمال حق التقاضي، طبّقت المحكمة أحكام قانون أصول المحاكمات المدنية، وتحديدا المادة 303 منه، التي تسمح بفرض عقوبات مالية عند ثبوت سوء النيّة.
المحكمة أشارت إلى أنّ هذا التدبير يُعدّ إجراءً استثنائيًا، لا يعتمد إلا في الحالات التي يكون فيها الانحراف عن استعمال الحقوق الإجرائية ثابتًا وواضحًا.
وفي هذه القضية، رفضت جميع الطلبات بقرارات مبرمة، كما أنّ بعضها أفضت إلى الحكم بغرامات مالية لصالح الدولة اللبنانية بسبب عدم قبولها.
ودون التطرق إلى المسؤوليات الجزائية المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت، يشكّل هذا الحكم محطة بالغة الأهمية في ملف معلق منذ سنوات. وبفضل مفعوله الردعي، يمكن الحدّ من اللجوء المنهجي إلى الإجراءات التسويفية ومنع استخدامها في ممارسات لا تهدف إلا لتعطيل سير العدالة أو عرقلة التحقيقات.
مواضيع ذات صلة :
نعيم قاسم المستفِزّ! | انسحاب الوزراء الشيعة لا يسقط “الميثاقية”.. هذا ما يقوله الخبراء الدستوريون! | المادة 52 من الدستور: دور رئاسي محوري في السياسة الخارجية |




