عام على عهد ترامب: تحديات داخلية وتحولات عالمية

ترجمة هنا لبنان 25 كانون الثاني, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Moncef Ait-Kaci لـ”Ici Beyrouth“:

عام كامل مرّ منذ إعادة تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة في 20 كانون الثاني 2025.. عام واحد رسم مسارًا أميركيًا مختلفًا، أكثر حدّة وأقل التزامًا بالقواعد التقليدية. خلال اثني عشر شهرًا فقط، تحوّلت القرارات الرئاسية إلى أدوات ضغط مباشر، وتوالت الخطوات العلنية التي هزّت توازنات دولية راسخة، من التحالفات العسكرية إلى التجارة العالمية.. وذلك من خلال أكثر من مئتي مرسوم وإعلان ومذكرة..

التقرير التالي لا يسعى إلى تفنيد تلك القرارات بقدر ما يتوقف عند لحظاتها المفصلية، حيث تجاوزت السياسة الأميركية حدودها الداخلية لتترك أثرًا مباشرًا على النزاعات القائمة والعلاقات الدبلوماسية وحركة التجارة العالمية ودور المؤسسات الدولية في عالم يتغيّر بوتيرة متسارعة.

لقد حدّد ترامب منذ اليوم الأول لولايته الجديدة، ملامح توجه إدارته.. وبالكاد مرت ساعات على إعادة تنصيبه، حتى أعلن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، في خطوة هدفت، وفق التصريحات الرسمية، إلى إنهاء الالتزامات البيئية التي أقرتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

وفي اليوم نفسه، باشرت واشنطن إجراءات الانسحاب من منظمة الصحة العالمية. وبرّرت الإدارة الأميركية هذا القرار بسعيها لاستعادة السيطرة الكاملة على السياسات الصحية الوطنية وعلى آليات توجيه التمويل الدولي.

القرار قوبل بانتقادات واسعة من منظمة الصحة العالمية وعدد من الدول التي حذّرت من تداعياته المحتملة على الصحة العالمية، والبحث العلمي والاستجابة الجماعية للأوبئة.

أزمات عالمية: قرارات وتداعيات متواصلة

الصين

في أواخر تشرين الأول 2025، التقى دونالد ترامب الرئيس الصيني شي جينبينغ في كوريا الجنوبية، في إطار محادثات هدفت إلى تهدئة الحرب التجارية بين واشنطن وبكين.

وعقب اللقاء، أعلن ترامب التوصل إلى تنازلات متبادلة، شملت تخفيضًا لبعض الرسوم الجمركية وتعليقًا جزئيًا للقيود المفروضة على تصدير المعادن الأرضية النادرة.

أوكرانيا

في الملف الأوكراني، اعتمد دونالد ترامب مقاربة مباشرة، حيث استقبل الرئيس فولوديمير زيلينسكي عدة مرات في البيت الأبيض، بالتوازي مع فتح قنوات التواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي استضافه في 15 آب 2025 خلال قمة “ألاسكا 2025”.

وفي واشنطن، شهد أحد اللقاءات الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، تصعيدًا في اللهجة من الجانب الأميركي. وأمام الكاميرات، تحوّل النقاش إلى مواجهة كلامية، وجّه خلالها دونالد ترامب انتقادات مباشرة إلى فولوديمير زيلينسكي، في مشهد انتشر عالميًا وأصبح معبّرًا عن أسلوبه الدبلوماسي.

وفي تصريحاته العلنية، اتّهم الرئيس الأميركي كييف بـ”إبطاء” مسار المفاوضات. وعلى الرغم من تداول سيناريوهات مختلفة للخروج من الأزمة، ظلّ النزاع قائمًا، متجذرًا في التوازنات العسكرية والجيوسياسية الإقليمية.

جنوب أفريقيا

المواجهة مع الرئيس الأوكراني ليست حالة استثنائية. ففي عام 2025، أصبح البيت الأبيض، وتحديدًا المكتب البيضاوي، مسرحًا لأسلوب جديد في إدارة اللقاءات الدبلوماسية، يتسم في كثير من الأحيان بحدة أكبر.

وخلال زيارة رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا إلى واشنطن، رفض بشكل قاطع الاتهامات التي وجّهها دونالد ترامب، والتي ادعى فيها أنّ مزارعين بيضًا يتعرضون لما وصفه بـ”إبادة جماعية” في جنوب أفريقيا.

نيجيريا

وفي نيجيريا، اعتمد دونالد ترامب خطابًا مشابهًا. ففي عام 2025، أمر بتنفيذ ضربات ضد جماعات جهادية، نُفذت في يوم عيد الميلاد، مؤكدًا أنّ الهدف منها هو حماية المسيحيين في البلاد، الذين وصفهم أيضًا بأنهم ضحايا “إبادة جماعية”.

إيران

أما في ما يخص إيران، تصاعدت حدة المواجهة. ففي حزيران 2025، نفذت الولايات المتحدة ضربات دقيقة استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية: فوردو ونطنز وأصفهان. وأعلنت واشنطن مسؤوليتها عن العملية في سياق التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران.

التقديرات تباينت حول حجم الأضرار. فبينما أشارت بعض المصادر إلى أضرار كبيرة لحقت بالقدرات النووية الإيرانية، تحدثت مصادر أخرى عن تأثير محدود.

وفي الأسابيع التي تلت، شهدت المنطقة تصاعدًا في التوترات، تخللته عمليات إجلاء لموظفين أميركيين، وتحذيرات متكررة صادرة عن البيت الأبيض.

ومع بداية عام 2026، عاد الملف الإيراني إلى الواجهة مع اندلاع تظاهرات واسعة في عدد من المدن الإيرانية. وعلى إثر ذلك، لوّح دونالد ترامب علنًا بإمكانية التدخل في حال تصاعد القمع، متحدثًا عن احتمال تنفيذ ضربات أو تقديم دعم مباشر للمتظاهرين.

سوريا

من بين القرارات التي مرت إلى حد كبير دون اهتمام إعلامي واسع، برز قرار رمزي شديد الدلالة. ففي أيار 2025، أعلن دونالد ترامب رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، منهياً بذلك سنوات من العزلة الدبلوماسية والاقتصادية التي فرضتها الإدارات السابقة على دمشق. هذا القرار شكّل تحولًا واضحًا في السياسة الأميركية، حيث اتخذت واشنطن موقفًا أحاديًا، بعيدًا عن أي تنسيق ظاهر مع حلفائها الغربيين، معبرة عن استعدادها لإعادة رسم خطوط النفوذ في المنطقة.

غزة

أما في ما يخص غزة، أعلن دونالد ترامب عن انخراط مباشر. وقدّمت واشنطن المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار على أنها نجاح دبلوماسي، أسهم في خفض حدة القتال وفتح قنوات نقاش غير مباشرة.

وفي كانون الثاني 2026، أعلنت الإدارة الأميركية الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطتها للسلام، التي تنص على إقامة إدارة مدنية انتقالية، وإطلاق عملية إعادة إعمار مشروطة، إلى جانب نزع تدريجي للسلاح في القطاع. كما أنشئ “مجلس سلام” للإشراف على هذه المرحلة، تحت رقابة دولية. وعلى الرغم من هذه الإعلانات، بقي النزاع بين إسرائيل وحركة حماس من دون تسوية نهائية، واستمر في تشكيل أحد أبرز مصادر التوتر الإقليمي.

إسرائيل

في خطوة نادرة لرئيس أميركي، ألقى دونالد ترامب في تشرين الأول 2025، خطابًا أمام الكنيست الإسرائيلي. وإلى جانب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ألقى خطابًا ذا طابع سياسي واضح، جمع بين تأكيد الدعم لإسرائيل وتوجيه رسائل شخصية. ومن على منبر البرلمان الإسرائيلي، طرح دونالد ترامب علنًا فكرة منح عفو لبنيامين نتنياهو، الذي كان يواجه في ذلك الوقت إجراءات قضائية.

لبنان

لبنان يحتلّ بدوره موقعًا ضمن أولويات إدارة ترامب المعلنة. ففي أواخر عام 2025، أشار الرئيس الأميركي علنًا إلى احتمال توجيه دعوة إلى نظيره اللبناني جوزاف عون لزيارة البيت الأبيض. وجاء هذا الانفتاح في سياق مشحون، حيث عبّرت واشنطن عن استيائها من التلكؤ في مسار نزع سلاح حزب الله، متهمة الجيش اللبناني بالمماطلة في هذا الملف.

وعلى الرغم من التوترات، شدّد ترامب على رغبته في التعاون مع لبنان، مشيرًا إلى أنّ هدفه يتمثل في تحقيق استقرار مستدام في الشرق الأوسط. وحتى الآن، تظل الزيارة المحتملة للرئيس اللبناني إلى الولايات المتحدة معلّقة. ويبرّر ترامب مقاربته تجاه لبنان بأنها تهدف إلى إرساء دور طويل الأمد للبلاد في المنطقة، في سياق ما يراه امتدادًا لاتفاقات أبراهام.

أفريقيا والقوقاز وآسيا: نزاعات مجمّدة ووساطات مُعلنة

يؤكد ترامب أنه أسهم في فك الجمود أو تحقيق قدر من الاستقرار في عدد من النزاعات. ففي أفريقيا الوسطى، بُذلت محاولات وساطة بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، دون التوصل لاتفاق مستدام حتى الآن.

وفي منطقة القوقاز، دعمت واشنطن مسارًا تفاوضيًا بين أرمينيا وأذربيجان حول ممرات استراتيجية، مع تحقيق تقدم محدود.

أما في جنوب شرق آسيا، فقد شُجّعت محادثات بين تايلاند وكمبوديا. وفي منطقة البلقان، بقيت التوترات بين صربيا وكوسوفو قائمة رغم الجهود الدبلوماسية. وفي جنوب آسيا، استمرت العلاقات بين الهند وباكستان في حالة توتر. وفي شمال شرق أفريقيا، لم يُفضِ الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة إلى تسوية.

وفي ضوء هذه الملفات، تواصل الإدارة الأميركية تسليط الضوء على ما تعتبره “تقدمات محدودة”، في حين يظل السلام الدائم حلماً بعيد المنال حتى الآن.

أميركا اللاتينية: الصدمة الفنزويلية

في 3 كانون الثاني 2026، نفّذت الولايات المتحدة عملية بارزة أدّت إلى اعتقال نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي القائم، وزوجته، ونقلهما إلى الأراضي الأميركية تمهيدًا لملاحقتهما قضائيًا. وقد أحدث هذا الحدث صدمة قوية في أنحاء أميركا اللاتينية، مؤكّدًا على قدرة واشنطن على اتخاذ خطوات مفاجئة وحاسمة.

ترامب تحمّل مسؤولية العملية شخصيًا، وسارع للإعلان عن استئناف منظّم لصادرات النفط الفنزويلي، في رسالة واضحة مفادها أنّ الولايات المتحدة مستعدة للتدخل المباشر للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.

غرينلاند: إعادة فتح ملف استراتيجي

قررت واشنطن فرض إجراءات جمركية جديدة على عدة دول أوروبية، شملت ثمانية بلدان من بينها ستة أعضاء في الاتحاد الأوروبي: فرنسا، ألمانيا، الدنمارك، السويد، هولندا، وفنلندا، إلى جانب المملكة المتحدة والنرويج.

وأعلن الرئيس الأميركي أنّ الرسوم الجمركية سترتفع، اعتبارًا من الأول من حزيران 2026، إلى 25% “إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن البيع الكامل والنهائي لغرينلاند”.

في مواجهة هذا القرار، بدأت بروكسل دراسة الأدوات المتاحة للتصدي للضغوط التجارية الأميركية. وأشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشكل خاص إلى إمكانية اللجوء إلى الأداة الأوروبية المعروفة باسم “آلية مكافحة الإكراه”.

وفي مؤشر على حدة التوتر الذي أثارته هذه الخطوة، من المقرر أن يعقد قادة الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قمة استثنائية يوم الخميس 22 كانون الثاني. وقد تقرر عقد هذا الاجتماع عقب اجتماع طارئ لسفراء الدول الأعضاء، على أن يُخصّص لبحث وضع العلاقات عبر الأطلسي، وفق ما أفاد به المجلس الأوروبي.

ضغوط اقتصادية: عودة الرسوم الجمركية

على الصعيد الاقتصادي، أعاد ترامب إطلاق حرب تجارية معلنة، إذ فرضت الولايات المتحدة سقفًا للرسوم الجمركية بنسبة 15% على غالبية الصادرات الأوروبية، بينما طُبّقت رسوم أعلى على مجموعة من الدول الأخرى، في مؤشر على تصعيد واشنطن لاستخدام الأدوات الاقتصادية كوسيلة للضغط الدولي.

وتعرّضت منتجات كل من سويسرا وصربيا وعدد من الدول الأفريقية لضرائب جمركية مرتفعة. وبلغت الرسوم على الصلب والألمنيوم مستويات وصلت إلى 50%. وظلت الصين هدفًا رئيسيًا، ولا سيما في القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بأشباه الموصلات، والتقنيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي.

وترافقت هذه التوترات التجارية مع تصاعد الاحتكاكات مع الحلفاء الأوروبيين على الصعيد الأمني، إذ جدّد دونالد ترامب انتقاداته لحلف شمال الأطلسي، متهمًا عددًا من الدول الأوروبية بعدم تحمّل نصيبها من الأعباء العسكرية، ما أعاد إثارة الشكوك بشأن متانة العلاقة عبر الأطلسي.

المنظمات الدولية: انسحابات وتراجع الالتزامات

إدارة ترامب سحبت الولايات المتحدة من عدد من الهيئات الدولية، وخفّضت مساهماتها المالية وشرعت في مراجعة شاملة لالتزاماتها متعددة الأطراف. وشمل ذلك مجلس حقوق الإنسان، وعددًا من وكالات الأمم المتحدة، وهياكل إنسانية مختلفة.

وبرّرت واشنطن ذلك برغبتها في الحفاظ على حرية تحركها ورفضها الأطر التي تعتبرها مقيّدة لسيادتها.

شلل داخلي: إضراب حكومي غير مسبوق

على الصعيد الداخلي، شهدت السنة أيضًا أزمة مالية كبرى. ففي 13 تشرين الثاني 2025، وقّع دونالد ترامب قانونًا أنهى إضرابًا حكوميًا فدراليًا استمر ثلاثة وأربعين يومًا، وهو الأطول في تاريخ الولايات المتحدة.

وأدّى هذا الشلل إلى إغلاق عدد كبير من الإدارات العامة، وتجميد رواتب مئات الآلاف من الموظفين، وحدوث اضطرابات كبيرة في برامج المساعدات الاجتماعية، ولا سيما الغذائية. وقد عكس هذا الحدث حدة التوترات المستمرة بين السلطة التنفيذية والكونغرس، وأثر هذه الانسدادات السياسية المباشر على الحياة اليومية للأميركيين.

الهجرة والمجتمع

على الصعيد الداخلي أيضًا، اتخذت إدارة ترامب قرارات بارزة خلال العام. ففي كانون الثاني 2026، أصدر الرئيس مرسومًا علّق بموجبه معالجة طلبات تأشيرات الهجرة لمواطني أكثر من 75 دولة، من بينها لبنان، مع بعض الاستثناءات المحددة.

كما وقّع ترامب قرارات ذات دلالات رمزية قوية تتعلق بمكانة الأشخاص المتحوّلين جنسيًا في الجيش وفي الرياضة النسائية، ما أثار نقاشات واسعة امتدت خارج حدود الولايات المتحدة، مسلطًا الضوء على الجوانب الاجتماعية والسياسية المثيرة للجدل في سياسته الداخلية.

رمزية نوبل

لطالما عبّر دونالد ترامب عن رغبته في نيل جائزة نوبل للسلام، ولم تتحقق هذه الأمنية رسميًا، لكن عامه الأول اتسم بسلسلة من الإشارات الرمزية. فقد سلّمه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، جائزة للسلام، بينما قدّمت له المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو ميداليتها الخاصة بجائزة نوبل.. وعلى الرغم من أنها رموز أكثر منها تكريمات رسمية، تحمل دلالات سياسية واجتماعية واضحة.

بعد مرور عام كامل على عهد ترامب، عاش العالم على وقع سلسلة متواصلة من القرارات والتحركات، وموازين القوى الجديدة. لم تكن سنة عادية؛ لقد كانت سنة ترامب بامتياز.. السنة التي أعادت صياغة المشهد الدولي والمحلي على نحو لم تشهده الولايات المتحدة والعالم منذ زمن.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us