“الجمارك”: عندما تتحوّل الضّريبة إلى سلاح سياسيّ!

ترجمة هنا لبنان 27 كانون الثاني, 2026

كتبت Sana Richa Choucair لـ”Ici Beyrouth”:

توقّفت حرب الرّسوم الجمركيّة مؤقّتًا بعد تهديد دونالد ترامب بفرض رسوم إضافيّة على الدّول الأوروبيّة الرّافضة لمشروعه بشأن غرينلاند. وأعلن الأخير عن “إطار اتّفاق مستقبليّ”، كما علّق التّصعيد التعريفيّ. أمّا الاتّحاد الأوروبيّ فظلّ حذرًا، مدركًا أنّ الحدود التجاريّة تبقى أداةً أساسيّةً في ميزان القوى.
وتعود كلمة “الجمارك” إلى الواجهة متصدّرة الأحداث.

من السجلّ إلى الضّريبة

دخل مصطلح “الجمارك” اللّغة الفرنسيّة في القرن الثّالث عشر بصيغة “dohanne”، وأشار أوّلًا إلى مكان التّفتيش. ويعود أصله إلى اللّغة الإيطاليّة في القرون الوسطى “doana /dogana”، المستعار من العربيّة ديوان، والفارسيّة ديوان، أي السجلّ الإداريّ، وقاعة الاجتماعات، ثمّ مكتب الدّولة المكلّف بتحصيل الرّسوم والضّرائب.
يحمل المصطلح ثلاثة معانٍ: الإدارة، والمبنى، والضّريبة. لكنّه سرعان ما اكتسب بُعدًا اقتصاديًّا واستراتيجيًّا. فالرّسوم الجمركيّة لا تموّل الدّولة فحسب، بل تنظّم التّبادل التجاريّ، وتحمي الانتاج المحليّ، وتؤكّد السّيادة. وتحدّد الجمارك في الموانئ، وعند أبواب المدن، وعلى حدود الممالك، ما يُسمح باستيراده، وما يتعيّن فرض الرّسوم عليه. وبالتّالي، تصبح الجمارك واحدةً من أوضح أذرع السّلطة، إلى جانب الجيش والعملات.

الرّسوم الجمركيّة: من أداة ضغط إلى عقوبة

تحوّلت اليوم الرّسوم الجمركيّة إلى أداة ضغط سياسيّة مباشرة. ففي قضيّة غرينلاند، استخدم ترامب الرّسوم كوسيلة إكراه: إمّا الالتزام بإطار استراتيجيّ محدّد، أو دفع تكلفة اقتصاديّة فوريّة.
لم يبدّد الإعلان عن “إطار اتفاق مستقبلي” في دافوس، والتخلّي عن التّهديدات بشكل موقّت، المخاوف. فقد أكّدت الدنمارك مرّةِ جديدةً أنّ سيادة الأراضي غير قابلة للتّفاوض، ورأت في تخفيف التّصعيد فرصةً لفتح مفاوضات حول الأمن في القطب الشماليّ، لا سيّما ضمن إطار حلف شمال الأطلسيّ “NATO”. ودعا الاتّحاد الأوروبيّ، من جهته، إلى الوحدة واليقظة.
يكشف هذا الحدث تحوّلًا في استخدام الرّسوم الجمركيّة الّتي تميل إلى أن تصبح عقوبةً محتملةً، قابلةً أو غير قابلةٍ للتّفعيل اعتمادًا على درجة امتثال الشّريك السياسيّ. بهذا، تتعدّى الجمارك مجرّد كونها وسيلةً لتنظيم التّجارة، فتتحوّل إلى أداة لمعاقبة الرّفض.
يحوّل التّغير هذا، من الإشارة الدبلوماسيّة إلى العقوبة الاقتصاديّة، الجمارك إلى محور أساسيّ في ميزان القوى العالميّ المعاصر. إنّها ليست المرّة الأولى، إذ تبيّن على مرّ التّاريخ أنّ هذه الأداة قادرة على زعزعة الاستقرار.

الجمارك وسرعة تفجير الأزمات: عبرة عام 1930

يقدّم التّاريخ مثالًا بارزًا مع قانون الرّسوم الجمركيّة سموت-هاولي “Smoot-Hawley Tariff Act”، المعتمد في الولايات المتّحدة في حزيران 1930 مع بداية الكساد الكبير. فمع أنّ هدفه الرسميّ كان حماية المزارعين والشّركات الأميركيّة، إلّا أنّ القانون أدّى إلى زيادة الرّسوم الجمركيّة المرتفعة أصلًا بشكل مفاجئ، على خلفيّة فائض الإنتاج وتزايد المنافسة. وأقرّه الكونغرس الأميركيّ على الرغم من معارضة أكثر من ألف اقتصاديّ، ووقّعه الرّئيس هربرت هوفر.
تلقّف الجميع في الخارج هذه الخطوة على أنّها انسحاب اقتصاديّ متعمّد، وازدادت الردود الانتقامية الاقتصاديّة إذ فرضت حوالي عشرين دولة أخرى، في غضون عاميْن، رسومًا جمركيّةً عقابيّةً مماثلةً. انهارت التّجارة العالميّة، وانخفضت التّبادلات بين الولايات المتّحدة وأوروبا بنحو ثلثيْ حجمها، وتفاقمت الأزمة الاقتصاديّة. وبدل أن تحميَ الاقتصاد الأميركيّ بشكل دائم، تحوّلت الجمارك إلى عامل عدم استقرار منهجيّ، وكشفت عن قدرتها التدميريّة حين تُستغلّ كسلاح سياسيّ.
يذكّرنا اليوم ملفّ غرينلاند، وبعد قرابة قرن، بأنّ الجمارك حين لا تؤدّي دورها كأداة تنظيميّة وتتحوّل إلى وسيلة ضغط سياسيّ، قادرة على إحداث تأثيرات متسلسلة تتجاوز بكثير حدودًا تدّعي الدّفاع عنها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us