الصّفائح التكتونيّة في حركة دائمة

ترجمة هنا لبنان 27 كانون الثاني, 2026

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

ما زالت التوتّرات الجيوسياسيّة على السّاحات الدوليّة كافة في حال اضطّراب عميقة، ويبدو الاستقرار بعيد المنال. إذ لم تصل أيٌّ من هذه الأزمات إلى حلٍّ مستدام بعد، وما زالت قابلة للاشتعال من جديد في أيّ وقت، في ظلّ دبلوماسية متردّدة لم ترسم بعدُ مسارًا واضحًا. وبات مناخ عدم اليقين الاستراتيجيّ والسياسيّ هذا، واستمراره في ظلّ التحدّيات الكبرى، مستحيلًا. من هنا، من الضروري حلّ هذه الأزمات على المستويات الوطنيّة، والإقليميّة، والدوليّة.
فالصّراعات المستمرة في دول الشّرق الأوسط، مثل لبنان، وسوريا، وغزة، والعراق، وفي فنزويلا وغرينلاند، باتت ديناميّات فوضويّة مستمرّة تهدّد الأمن الدوليّ في بيئة عالميّة متوتّرة. وتراجعَ دور آليّات التّنظيم الدوليّة تدريجيًّا نتيجة تزعزع التّوافقات الاستراتيجيّة، بعد نشوء حركات شمولية جديدة، ونظائر لها على السّاحة الجيوسياسيّة.
وتسلّط أزمة التّحالف الأطلسيّ الضّوء بوضوح على التحدّيات الاستراتيجيّة المتنامية، من التّفاوت في الثّقافة السياسيّة في الديمقراطيّات الغربيّة، واستغلال الحركات الإسلاميّة المتطرّفة بمختلف أطيافها للهجرات الجماعيّة، وصولًا إلى عودة سياسات التمرّد البلاشفيّ وأشكالها المعاصرة. وأصبحت الحاجة ملحّة لإعادة تحديد المعايير السياسيّة والأخلاقيّة على أسس توافقيّة، لتقليص الانقسامات الّتي تؤثّر على مختلف السّياقات الجيوستراتيجيّة.
وقد أظهرت أزمة غرينلاند عن دورها الواضح في كشف المفاوضات السياسيّة الضروريّة، الهادفة إلى معالجة الأزمات المستمرّة في حلف شمال الأطلسيّ، وفي الإنذار بها، هذا فضلاً عن الصّدمات الحضاريّة، والثقافيّة الّتي تهزّ الديمقراطيّات الغربيّة. وقد كان لهذه الأزمة أيضًا تبعات على المجتمع الأوروبيّ والأمم المتّحدة، مع تطوّر خطوط التصدّع الجيوسياسيّة، وتأثيرها على الثّقافات والمؤسّسات السياسيّة على الصعيديْن الوطنيّ والدوليّ.
ولا يمكن فهم الأزمات الرّاهنة من دون ربط تطوّرها بالاختلافات المعرفيّة، والمعياريّة، وانعكاساتها الاستراتيجيّة.
يفسّر زوال كبرى روايات النّظام ثنائيّ القطب، وانهيار حقبة ما بعد الحرب الباردة، بروز أزمات متدفّقة تتسم بالعدميّة السياسيّة، والنزعات الشموليّة، والتناقضات في نظام عالميّ يزداد اختلالًا. فظهور الشعبويّة وعودة “عصر التطرّف” ليسا وليدي الصدفة؛ فهما يعكسان بحدّة تآكل نظام ما بعد الحرب الباردة، ونشوء بيئة فوضويّة تجعل من مهمّة “التّسمية والتّحديد” أمرًا معقّدًا. ويجسد نهج الإرادة السياسيّ الخاص بدونالد ترامب الفراغات المتراكمة في نظام عالميّ متراجع، وتبعاته المتعدّدة.
كما تشكّل فنزويلا مثالًا صارخًا على تآكل الدّولة، وما ينتج عنه من إرهاب وجريمة منظّمة، وعودة الشموليّة. وتجسّد الحملة الأخيرة المناهضة للشيوعيّة الفنزويليّة، محاولة متأخّرة كان ينبغي البدء بها في وقت سابق لتفادي مآسي الأمريكيّتيْن، واستباق عودة سيناريوهات سادت في الحرب الباردة. لقد تأخّرت ديناميّات التحوّل الديمقراطيّ في مواجهة الواقع الجديد الّذي نشأ بعد سقوط الشيوعيّة، وسرديّاتها.
يُعتبر الخروج من قبضة نظام إجراميّ مسألة بالغة التّعقيد، وتتطلّب المهمّة تفادي الانزلاق إلى الحرب الأهليّة، ومخاطر الفوضى الكامنة. فالتّفاوض مع جماعة إجراميّة يثير إشكاليّات بنيويّة عميقة، ويبقى همّها الأساسيّ محصورًا في البقاء في السّلطة، وضمان استمراريّتها. وبعيدًا عن الأجندة هذه، تتراجع القضايا الأخرى إلى مرتبة ثانويّة، أو تفقد معناها بالكامل. وتكمن صعوبة هذه المعادلة في استحالة التّوفيق بين منطق الدّولة ومتطلّبات جماعة لا ترى في السّياسة سوى أداة للبقاء، وهو ما يفسّر حالات الجمود الطّويلة الّتي تطبع أزمات مماثلة.
يندرج واقع الشّرق الأوسط ضمن منطق شبيه، حيث تتقاطع رهانات الإسلامويّة، والتحوّلات الاستراتيجيّة، وصراعات النّفوذ بين القوى الشيعيّة، والسنيّة في إعادة تشكيل المسارات السياسيّة القائمة. ويبرز لبنان بوصفه حالة نموذجيّة لدولة رهينة، جرى توظيفها ضمن استراتيجيّة إقليميّة يقودها النّظام الإسلاميّ في طهران، وتحويلها إلى أداة تزعزع الاستقرار حتّى بعد انهيار “المنصّات العملياتيّة المندمجة”.
ورغم صعوبة إحاطتها بشكل كامل، تهدف هذه الاستراتيجيّة إلى إعادة إنتاج سيناريوهات الفوضى الشّاملة، والحرب الأهليّة، وعدم الاستقرار البنيويّ. وقد أثبت الحكم اللبنانيّ عجزاً مزمناً في تجاوز اختلالات نظام سياسيّ معطّل، وعن فشل متكرّر في معالجة الانقسامات الإيديولوجيّة الّتي طبعت تاريخه الحديث. كما تشير إلى قضايا الامتداد السياسيّ والعسكريّ، في خارج الإطار السياديّ، إلى أزمة شرعيّة الدّولة الوطنيّة، العميقة والمتجذّرة.
تعيد المعادلة الجيوستراتيجيّة النّاشئة رسم شروط تسوية النّزاعات، وتعدّل المبادئ المتعلّقة بسلام تفاوضيّ مع إسرائيل، وإعادة هندسة دستوريّة، وإصلاح منظومة الحوكمة. وترتبط المسارات الثّلاثة هذه، ويتعذّر أن يحقّق أي منها نتائج مستدامة بمعزل عن الآخر إذا كان الهدف هو استعادة لبنان لسيادته، وبناء دولة فاعلة. ويشكّل الخلط بين شرعيّات متنافسة، وامتدادات مؤسساتيّة عابرة للسّيادة، وضعف الدّولة، عائقًا مهمًّا. وفي غياب معالجة هذه الاختلالات، تبقى حماية السّيادة اللبنانيّة صعبة من دون دعم استراتيجيّ أميركيّ.
شكّل إسقاط نظام الأسد بواسطة حركة جهاديّة في طور إعادة الهيكلة مبادرة جريئة، إنّما غير واضحة المعالم. ومع ذلك، لم يمنح احتلال دمشق هذا الفصيل الشرعيّة المرجوّة، فاقترب من المركز السياسيّ، وسعى لمواءمة تحرّكاته مع أجندات الولايات المتّحدة الاستراتيجيّة. ورغم أهميّة إعادة التموضع هذه، فإنّها لم تعالج مخاوف الأقليّات الدينيّة والإثنيّة الكبرى، ولم تتمكّن حتّى الآن من السّيطرة على الجماعات الإرهابيّة المتمرّدة، أو تأمين الاستقلاليّة السياسيّة والعملياتيّة في مواجهة السّياسة التركيّة، كما لم تنجح في إشراك إسرائيل ضمن الإطار الجيوستراتيجيّ الجديد.
تبقى الأوضاع في شمال شرق سوريا، بعد تفكيك الدولة الكرديّة الأوليّة، غير مستقرّة، مع احتمال إثارة المشاعر الانفصالية، وإعادة اندلاع الحرب الأهليّة. وقد يؤدّي أي توسّع في السّيطرة العسكريّة يدفع هذه الديناميّة إلى مستويات متطرّفة أخرى، إلى مخاطر جسيمة تهدّد حتمًا السّلم الأهلي وإعادة بناء الدولة السوريّة، ما يجعل مراقبة هذا الوضع ضرورة قصوى من أجل تجنّب أي تصعيد غير محسوب.
أمّا الوضع في غزة، فهو مرتبط بالانقسام بين النّظام الإسلاميّ في طهران، وحركة حماس الّتي تشكّل عائقًا أمام الانتقال السلميّ، وإقامة حكومة فاعلة على أراضٍ سيطرت عليها منظّمة إرهابيّة لعقديْن من الزّمن. ويبقى احتمال اندلاع الحرب، في غياب هذا الانتقال، قائمًا. وبينما لا يسهم الغموض القطريّ، وأجندة الحكومة الإسلاميّة في أنقرة، في ظهور ديناميّات جديدة، كما يُعقّد تعدّد الأطراف، وسياسات نفوذها المختلفة والأجندات المتنافسة، الوضع. ويُعتبر التّعامل مع قضيّة غزة خطوة أساسيّة قبل أي محاولة لحلّ الصّراع الاسرائيليّ الفلسطينيّ بصورة شاملة.
فضلًا عن ذلك، من الضروريّ جدًّا هزيمة إيران، وعزل وكلائها، للحدّ من ديناميّات التّخريب الّتي يروّج لها هذا النّظام. ويمثّل العراق محورًا لا غنى عنه من أجل تطبيق سياسة الاحتواء، وقد شكّل تاريخيًّا أداة لتنفيذ السياسة الامبرياليّة الإيرانيّة، وقد حان الوقت لمساعدته على إعادة بناء استقلاليّته السياسيّة، وتعزيز هيكله الفيدراليّ كنموذج يُحتذى به.
يهدف هذا التّحليل إلى توضيح الديناميّات العملياتيّة، ومقارنة أوجه التّشابه بينها، وتحليل أوجه الاختلاف. وسيقوّض فشلنا في فهم هذه الديناميّات، بما في ذلك المراجع الإيديولوجيّة والاستراتيجيّة الكامنة وراءها، فرصنا في حلّ هذه الأزمات، وتعزيز السّلام، ما يجعل آفاق تحقيق الاستقرار شبه مستحيلة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us