إعادة جثامين الرهائن: خطّ أحمر إسرائيليّ لا تفاوض فيه

ترجمة هنا لبنان 28 كانون الثاني, 2026

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

أعلنت القوّات الإسرائيلية يوم الإثنين إنّها استعادت جثمان الرّقيب الأوّل ران غفيلي من غزّة، وهو آخر رهينة احتُجزت رفاتها في القطاع الفلسطينيّ. وبهذه العمليّة، يؤكّد الجيش استرداد جميع الرّهائن المخطوفين في غزة، القتلى منهم والأحياء.

تتعدّى هذه العمليّة مجرّد الحدث العسكريّ فتجسّد إحدى ثوابت العقيدة الإسرائيلية، المتمثّلة بالالتزام بإعادة جميع رعاياها، حتّى بعد موتهم. تعود جذور هذه الأولويّة إلى اعتبارات دينيّة، وتاريخيّة، واستراتيجيّة، تشكّل جزءًا لا يتجزّأ من الهويّة الوطنيّة الاسرائيليّة.

الاحتفاظ بالجثث كسلاح سياسيّ

يُشير موقع تايمز أوف إسرائيل Times of Israel إلى اعتماد حركة حماس سياسة الاحتفاظ بالجثث كأداة ضغط. فحتّى بعد الإفراج عن الرّهائن الأحياء، أو تأكيد وفاتهم، غالبًا ما تُحفظ رفاتهم من أجل ممارسة ضغط سياسيّ ونفسيّ على إسرائيل، وتصبح هذه الجثامين أداة مساومة تُبقي توازن القوى قائمًا حتّى بعد الموت.

يرى المعهد الأميركيّ “واشنطن إنستيتيوت” Washington Institute ، من جهته، أنّ احتجاز الرّهائن، أحياء أو موتى، يندرج ضمن استراتيجيّة أوسع للحرب المعرفيّة. إذ لا تعتبر حماس الأسرى مجرّد دروع بشريّة، أو أدوات تفاوض تقليديّة، بل وسائل هدفها شلّ القرار الإسرائيلي، وتفتيت الوحدة الوطنيّة، والتّأثير على الرّأي العام الدوليّ عبر استغلال العاطفة والتّعاطف.

ويشير المعهد إلى أنّ هذه الاستراتيجيّة ليست عفويّة، إذ كشفت وثائق عُثر عليها مع مقاتلين أسرى، تخطيط عمليّات اختطاف 7 أكتوبر 2023 مسبقًا، فضلًا عن تعليمات دقيقة تهدف إلى تعظيم الأثر النفسيّ، وقوّة الأسرى التفاوضيّة. ويشمل هذا المنطق أيضًا جثامين القتلى، وتُستخدم الضبابيّة الّتي تلفّ مصيرهم كسلاح نفسيّ يُبقي العائلات والمجتمع في حالة من الضّغط الدّائم.

بالنّسبة إلى الإسرائيليّين، تنتهك هذه الممارسة المعايير الأخلاقيّة، وقوانين الحرب، بشكل صارخ. وتُعزّز قناعة لدى إسرائيل بأنّ واجب إعادة الجثث خطّ أحمر لا تفاوض فيه، إذ يعني التّنازل عن هذا المبدأ القبول بتحويل الموتى إلى أدوات ابتزاز سياسيّ وإعلاميّ.

ضرورة دينيّة قديمة

تتجاوز أهميّة دفن الموتى البعد النفسيّ لتحتلّ مكانة مهمّة في التّقاليد اليهوديّة. وتذكّر مجلّة ميدل إيست جورنال Middle East Journal بأنّ التوراة تفرض الدّفن بشكل سريع يحفظ كرامة الميت، كما جاء في سفر التّثنية: لا يجوز أن يبقى جثمان بلا مدفن، مع التّحذير من عقوبة تدنيس الأرض. وقد شدّد المعلّقون الربّانيّون، ومن بينهم ميمونيدس وناهمانيدس، على هذا الواجب، واعتبروه جائزًا على الأراضي الإسرائيليّة، أو في الشّتات.

ولا يُنظر إلى الجسد، وفق هذا المفهوم، على أنّه مجرّد وعاء ماديّ، إنّما شريك الرّوح. ويوضّح الحاخام دورون كوربلوث، نقلًا عن مجلّة Middle East Journal، إنّ الجسد يتيح للرّوح إتمام الوصايا، ويحافظ على كرامته حتّى بعد الموت. لذا، فإنّ إهماله، أو الإضرار به، يتعارضان مع الرّؤية اليهوديّة للحياة والموت.

أرض إسرائيل كوجهة نهائيّة

تُسلّط المنظّمة اليهوديّة الأرثوذكسيّة Aish HaTorah الضّوء على بعد جوهريّ في التّقليد اليهوديّ، وهو أهميّة الدّفن وفق المعنى التوراتيّ في أرض إسرائيل. وقد طالبت شخصيّات تاريخيّة، مثل يعقوب ويوسف، بإعادة رفاتهم إلى هذه الأرض، باعتبارها رمز العودة النهائيّة. يستمرّ هذا التّقليد حتّى اليوم، بما في ذلك لدى اليهود المدفونين في الخارج، حيث يُضاف التّراب بشكل رمزيّ من إسرائيل إلى قبورهم.

تأخّرت مراسم دفن جنود مثل عومر نيوترا، وإيتاي تشين، أو هدار جولدن لسنوات بسبب احتجاز جثّتيْ الجنديّيْن الأوّليْن في أحداث 7 أكتوبر، وجثّة الثّالث في خلال حرب 2014 في غزة، واتّخذ الموضوع بعدًا وطنيًّا، علمًا أنّ كل جنديّ هو فرد من العائلة الجماعيّة.

ومع قيام دولة إسرائيل في 1948، تحوّل هذا الإرث الدينيّ والثقافيّ إلى سياسة وطنيّة. فقد أكّد قانون العودة (1950) إنّ كل يهوديّ يملك وطنًا، ويشمل هذا الوعد الموتى أيضًا. وتعمل القوّات الاسرائيليّة وفق عقيدة ثابتة: لا يمكن التخلّي عن أي جنديّ، حيًّا كان أو ميتًا.

وأكدّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مؤخّرًا هذا الالتزام، مشدّدًا على أنّ الدولة ستجنّد إمكاناتها كافة لاستعادة رفات الرّهائن كي يُدفنوا في إسرائيل.

خيار مثير للجدل لكنّه بنّاء

مع ذلك، لا تحظى هذه الاستراتيجيّة بإجماع إسرائيليّ. ويعتبر بعض المراقبين أنّ تبادل الجثث مقابل الأسرى يُعزّز قدرات التّنظيمات المسلّحة، ويخلق سوابق خطيرة، كما توضّح مجلّة Middle East Journal لا سيّما في حالة يحيى السّنوار، المُفرج عنه ضمن صفقة جلعاد شاليط عام 2011، ليصبح لاحقًا أحد مخطّطي هجمات 7 أكتوبر.

مع ذلك، وبالنسبة إلى إسرائيل، يتعدّى النّقاش الحسابات الاستراتيجيّة. فاستعادة جثامين الموتى واجب أخلاقيّ، ودينيّ، ومرتبط بالهويّة، ورفضه يُعتبر خرقًا للعقد الاجتماعيّ القائم بين الدولة ومواطنيها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us