الأسطول الأميركي يوجّه آليّاته الحربيّة نحو إيران

ترجمة هنا لبنان 29 كانون الثاني, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

تُسمع حاليًّا أصوات التّوربينات الخاصّة بآليّات الحرب الأميركيّة المنتشرة قبالة الخليج الفارسيّ القريب من إيران. وصلت يوم الإثنيْن حاملة الطّائرات النوويّة USS Abraham Lincoln إِلى الخليج الفارسيّ في أقرب نقطة من السّواحل الإيرانيّة. لا يشير هذا التحرّك إلى تمرين عسكريّ، بل يشكّل جزءًا من تصعيد محسوب، مخطّط له، ومدروس. لم يعد الجيش الأميركيّ في هذه المرحلة يتحدّث عن الرّدع المجرّد بل عن التّموضع العملياتيّ. ممّ يتكوّن بالفعل الأسطول الموجود على مقربة من إيران، وما هي القدرات العسكريّة المطروحة؟

USS Abraham Lincoln والطّاقم المرافق لها
بلغ طول حاملة الطّائرات الأميركيّة USS Abraham Lincoln 333 مترًا، ودخلت الخدمة لأوّل مرّة عام 1989. تعمل الأخيرة كقاعدة جويّة متحرّكة لما يقارب 90 طائرة ومروحيّة، وتشكّل منصّة للحروب عالية الكثافة. تمنح المفاعلات النوويّة استقلاليّة غير محدودة تقريبًا، وتمكّن الحاملة من العمل لفترات طويلة من دون التزوّد بالوقود، ومن تحقيق سرعة قصوى تزيد عن 30 عقدة، أي حوالي 56 كم/س.
لا تتحرّك USS Abraham Lincoln وحيدة، بل ترافقها قوّة بحريّة جويّة مصمّمة لحمايتها Carrier Strike Group، وتوسيع قدرتها على توجيه الضّربات، وضمان بقائها في بيئة معادية. تتكوّن هذه المرافقة من مدمّرات صواريخ من فئة Arleigh Burke ، وتعمل كأدوات متعدّدة الوظائف للبحريّة الأميركيّة.
يُجهز نظام هذه السّفن الدفاعيّ بنظام Aegis ، وهو شبكة رادارات ومستشعرات قادرة على تتبّع مئات الأهداف الجويّة، والصاروخيّة، في الوقت عينه. تعترض هذه السّفن الصواريخ الباليستيّة، وصواريخ كروز، والطّائرات المسيّرة، والطّائرات المعادية قبل وصولها إلى الحاملة. وتحمل هذه المدمّرات صواريخ Tomahawk المستخدمة لضرب أهداف بريّة بعيدة بدقّة، بالإضافة إلى صواريخ SM-3 للدّفاع الجويّ والصاروخيّ.
تعزّز هذه الحماية السطحيّة التّهديد الخفيّ، إذ ترافق عادة غوّاصات هجوميّة أميركيّة هذا النّوع من المجموعات البحريّة الجويّة. تتعقّب هذه الغوّاصات الغواصات المعادية المحتملة، وتنفّذ ضربات سريّة ضد الأهداف البريّة، أو البحريّة، باستخدام صواريخ كروز، ممّا يزيد من قدرة المجموعة على المناورة والهجوم، مع الحد من احتماليّة الكشف المباشر.

الطّيران المحمول
يكمّل الطّيران المحمول على متن USS Abraham Lincoln التّرتيب القتاليّ. وتحمي الطّائرات المقاتلة، وطائرات الدّعم من على سطح حاملة الأسطول، وتوسّع نطاق الكشف، وتؤمّن وجودًا دائمًا في السّماء الإقليميّة.
تدخل طائرات F-35C المعادلة أوّلًا. مهمّتها سهلة، وحاسمة، ودقيقة: اختراق مجال العدو الجويّ من دون أن يُكشف أمرها، وتحديد أنظمة الدّفاع، وتدميرها. وتتعدّى تقنية التخفّي خصائصها الشكليّة، لتصل إلى قدرتها على معالجة المعلومات. فهي ترى قبل أن تُرى، وتوجّه الضّربات قبل أن تُكتشف، وتختفي قبل ردّة الفعل. إنّها طائرات فتح الطّرق.
تتبعها مقاتلات F/A18 سوبر هورنت. لا تضاهي الأخرى من حيث القدرة على التخفّي، لكنّها أكثر من حيث العدد، وأمتن، وقادرة على نقل حمولة تسليحيّة أثقل، وأكثف. تتولّى مهام فرض التفوّق الجويّ، وضرب الأهداف الأرضيّة، ومرافقة الطّائرات، وتنفيذ الدوريّات، ثمّ توجيه الضّربات مجدّدًا. إنّها تحديث لطيران القتال الكلاسيكيّ، مصقولة على مدى عقود من النّزاعات.
وفي الظلّ، تدخلEA18G غراولر الميدان. هي نسخة معدّلة منF/A18 متخصّصة في الحرب الإلكترونيّة. يتمثّل دورها في إسكات العدو بالتّشويش على الرادارات، وإغراق التردّدات، أو قطع الاتّصالات. إنها معركة غير مرئيّة، تُدار في فضاء الإشارات، لكنّها أساسيّة في شلّ قدرة الخصم على الرّصد والتّنسيق.
وأبعد من هذا الجهاز، تحوّل طائرات القيادة والإنذار المبكر E2D هوك آي السّماء إلى شاشة راداريّة عملاقة. تكشف الطّائرات، والمسيّرات، والصّواريخ على مسافات تصل إلى مئات الكيلومترات. تنسّق الضّربات، وتعيد توزيع الأولويّات، وتضبط الإيقاع العام للعمليّات. ففي الحرب الحديثة، من يسيطر على السّماء يسيطر على الإيقاع.
الدّروع المضادة للصّواريخ
تكمّل منظومات الدّفاع الصاروخيّ، مثل باتريوت (Phased Array Tracking Radar for Intercept on Target) وثاد (Terminal High Altitude Area Defense) هذا الانتشار العسكريّ على الأرض. ولا يتمثّل دورها في الهجوم، بل في امتصاص أي ردّ محتمل. فالصّواريخ الباليستيّة، والطّائرات المسيّرة، والقذائف الصاروخيّة، أي كلّ ما قد يستهدف القواعد الأميركيّة أو الحليفة، يدخل ضمن الحساب الدفاعيّ.
يُعتبر نظام باتريوت واحدًا من أعمدة الدّفاع الصاروخيّ الأميركيّ والحليف في المنطقة. وقد صُمِّم في الأصل لاعتراض الطّائرات، قبل أن يخضع لعمليّات تحديث عميقة مكّنته من مواجهة تهديدات أكثر تعقيدًا، تشمل الصّواريخ الباليستيّة قصيرة ومتوسّطة المدى، وصواريخ كروز، والطّائرات المسيّرة.
ولا يعمل هذا النّظام على إطلاق الصّواريخ فحسب، بل يؤدّي عمل منظومة متكاملة ومنسّقة. تبدأ العمليّة برادار قويّ قادر على مسح المجال الجويّ على عشرات، بل مئات الكيلومترات، ورصد التّهديد، وحساب مساره، وتقدير ما إذا كان يمثّل خطرًا فعليًّا. وما إن يُحدَّد التّهديد حتّى يتّخذ نظام القيادة قرار الاعتراض، إمّا تلقائيًّا أو بأمر بشريّ.
تُطلَق صواريخ باتريوت من منصّات متحرّكة، وتقوم فعاليّتها على السّرعة والدقّة؛ ففي المرحلة النهائيّة، يقضي الصاروخ الاعتراضيّ على هدفه إمّا بإصابة مباشرة، أو بانفجارٍ قريب، مدمّرًا الصّاروخ المعادي قبل بلوغه هدفه. ويجري كل ذلك في ثوان قليلة، وبسرعة تفوق سرعة الصّوت.
في سياق مواجهة محتملة مع إيران، لم يُصمَّم باتريوت لإيقاف حرب بمفرده. فدوره دفاعيّ وحاسم: حماية القواعد العسكريّة، والبنى التحتيّة الاستراتيجيّة، ومراكز القيادة في مواجهة ضربة أوليّة، لا سيّما هجمات بالصّواريخ الباليستيّة أو بالطّائرات المسيّرة. وبذلك يتيح للقوّات الأميركيّة والحليفة مواصلة العمل حتّى تحت الهجوم.
وحيث يعمل باتريوت على ارتفاعات منخفضة ومتوسّطة، يتدخّل ثاد على ارتفاعات أعلى، فينشئ طبقة حماية إضافيّة. وقد صُمِّم لاعتراض الصّواريخ الباليستيّة متوسّطة وطويلة المدى في المرحلة النهائيّة من مسارها، أي عند عودتها نحو الهدف. ويعتمد ثاد على رادار قويّ وصواريخ اعتراضيّة، حيث يمسح الرادار الفضاء، ويتابع كل صاروخ معاد، ويحسب مساره، ثمّ ينقل المعطيات في الزّمن الحقيقيّ إلى الصواريخ الاعتراضيّة.
لا تستخدم صواريخ ثاد أيّ متفجّرات لتدمير أهدافها، بل تضرب الصّاروخ المعادي مباشرة بسرعة عالية جدًّا، فتقضي على بنيته عبر طاقة الاصطدام الحركيّ. وتمنح هذه الدقّة نظام ثاد فاعلية خاصّة في مواجهة الصّواريخ الباليستيّة، بما في ذلك تلك القادرة على التّحليق على ارتفاعات تمتدّ كيلومترات متعدّدة، وبسرعات فرط-صوتيّة. وعند نشره في الخليج أو حول مناطق حسّاسة، لا يقتصر دور ثاد على حماية القواعد الأميركيّة وقوّاتها فحسب، بل يشمل أيضًا الحلفاء الإقليميّين.
ويُكمّل ثاد نظام باتريوت والقدرات البحريّة عبر إنشاء درع دفاعيّ متعدّد الطّبقات، يتدخّل فيه كلّ نظام عند ارتفاع مختلف، وفي مرحلة مغايرة من مسار الصّاروخ. والمنطق بسيط: يصبح اكتساح الدّفاعات أكثر صعوبة، بالنسبة إلى الخصم، عندما تُجبَر صواريخه على اختراق طبقات دفاعيّة متتالية، تستطيع كلّ واحدة منها القضاء على التّهديد قبل وصوله إلى هدفه.

أسلحة الطّاقة الموجّهة
تُضاف إلى هذا المشهد قدرات ناشئة، محدودة الظّهور إنّما مدرجة في الحسابات العسكريّة، كأسلحة الطّاقة الموجّهة.
وعلى خلاف أنظمة التّسليح التقليديّة، لا تقوم هذه الأسلحة على المقذوفات، أو الانفجارات، بل على تركيز الطّاقة سواء كانت ضوءًا، أو موجات كهرومغناطيسيّة، وتوجيهها نحو الهدف بسرعة الضّوء. وإذا كانت الولايات المتّحدة قد استثمرت على نطاق واسع في هذه المنظومات، فذلك يعود إلى سعيها لمواكبة تحوّل طبيعة التّهديدات الحديثة، لا سيما انتشار الطّائرات المسيّرة، والصّواريخ قصيرة المدى، والتّكتيكات اللّامتماثلة منخفضة الكلفة.
وتُعتَبر أجهزة اللّيزر عالية القدرة، الأكثر تطوّرًا، والأكثر وضوحًا، ضمن هذه الفئة من الأسلحة. وقد جرى نشرها خصوصًا على متن مدمّرات البحريّة الأميركيّة كما في نظام هيليوس حيث تُستخدم لتحييد الطّائرات المسيّرة، وتعطيل حسّاسات الخصم أو إعمائها، وتعزيز الدّفاع القريب الخاص بالسّفن.
وتكمن أهميّتها الاستراتيجيّة في دقّتها الجراحيّة، وانخفاض كلفة إطلاق كل ضربة، وقدرتها على العمل المتكرّر من دون الاعتماد على مخزون من الذّخيرة.
وعلى اليابسة، تضيف القوّات البريّة الأميركيّة أيضًا أنظمة ليزر على مركبات مدرّعة لحماية الجنود من مسيّرات ساحة المعركة، في استجابة مباشرة للنّزاعات الأخيرة الّتي اكتسحت فيها هذه الوسائط الدّفاعات التقليديّة.
وبالتّوازي، تطوّر واشنطن أسلحة موجات قصيرة، عالية القدرة، صُمّمت لتحييد إلكترونيّات الأهداف وليس لتدميرها ماديًّا. وتتميّز هذه الأنظمة بقدرتها على بثّ نبضات كهرومغناطيسيّة مركّزة، ما يجعلها فعّالة على نحو خاص ضدّ أسراب الطّائرات المسيّرة، أو التّجهيزات غير المحصّنة. وهي قادرة على تعطيل أجهزة العدو من دون إحداث انفجارات، أو أضرار جانبيّة مرئيّة، الأمر الّذي يجعلها أدوات مفضّلة لحماية القواعد الحسّاسة، والموانئ، والبنى التحتيّة الاستراتيجيّة، لا سيّما في الشّرق الأوسط.

نظام الرّفض النّشط
تمتلك الولايات المتّحدة أيضًا أسلحة طاقة موجّهة غير قاتلة، ونظام الرّفض النّشط من أبرز أمثلتها. ييُطلق على هذا النّظام تسمية شعاع الألم، إذ يبعث موجة مليمتريّة تُحدث إحساسًا شديدًا بالحرق على سطح الجلد، ما يجبر الأفراد على التفرّق من دون التسبّب بإصابات دائمة. وعلى الرّغم من جاهزيّته التقنيّة، يبقى استخدامه نادرًا بسبب حساسيّته السياسيّة وما يثيره من نقاشات أخلاقيّة وقانونيّة.
ولا تحلّ الأسلحة ذات الطّاقة الموجّهة محلّ أنظمة الدّفاع الصاروخيّ التقليديّة، عند نشرها في قواعد برّية، أو سفن، أو مركبات، بل تُكمّلها. فتتكفّل في بنية دفاعيّة متعدّدة الطّبقات بمواجهة التّهديدات البسيطة والكثيفة، بينما تُترك للصّواريخ الاعتراضيّة مهمّة التّعامل مع الأهداف الأسرع، أو الأثقل، أو الأكثر تعقيدًا.
وفي سياق مواجهة محتملة مع إيران، لا يُعتَبر هذا التطوّر أمرًا ثانويًّا، خاصّة وأنّ الطّائرات المسيّرة، والهجمات غير المباشرة، تشكّل عمودًا من أعمدة الاستراتيجيّة اللّامتماثلة الإيرانيّة.
وبخفض كلفة هذا النّوع من الهجمات، وفعاليّته بشكل كبير، تعدّل أسلحة الطّاقة الموجّهة ميزان القوّة منذ السّاعات الأولى لأي صراع.
مع ذلك، وعلى أرض الواقع، يكلّف الحفاظ على مثل هذا الانتشار الكامل مبالغ هائلة. إذ يستهلك كل يوم في البحر، وكل ساعة طيران، وكل دوريّة، موارد ضخمة. لذلك، لم يُصمَّم هذا النوع من الحشد العسكريّ ليستمرّ إلى ما لا نهاية.
تاريخيًّا، يسبق هذا الوضع إمّا تحرّكًا سريعًا، أو تهدئة قسريّة يفرضها استعراض القوة. وحتّى اللّحظة، لم يُعطَ أي أمر، ولم يُطلَق أي صاروخ. لكن كل شيء جاهز في مكانه. الأنظمة مسلّحة، والطّواقم مستعدّة، والخطط مكتوبة.
وفي سياق مماثل، لا تبدأ الحرب بانفجار، بل تبدأ حين يعطي شخص ما، في مكان ما، الأمر بالتّنفيذ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us