حلف شمال الأطلسيّ… صامد لا محالة

ترجمة هنا لبنان 30 كانون الثاني, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب David Hale لـ”This is Beirut“:

تبالغ وسائل الإعلام، والسياسيّون على جانبيْ الأطلسيّ في فكرة أنّ سعي الرّئيس ترامب إلى بسط سيادته على غرينلاند قد ألحق ضررًا يتعذّر إصلاحه بحلف شمال الأطلسيّ، الّذي تأسّس قبل أكثر من 75 عامًا، وبشكل غير مسبوق. وينبع هذا “التّحليل” من مصادر متعدّدة. فعلى جانبيْ المحيط، ثمّة من يقتنص أي مناسبة يخرج فيها ترامب عن المألوف، ليعتبر ذلك دليلًا على أنّ العالم، كما نعرفه، يقترب من نهايته. وفي أوروبا، يبرز ردّ فعل الدّول الضّعيفة والتّابعة الإنسانيّ، إنّما غير الجذّاب، ضدّ حليفها القويّ والأوحد، عندما يرفض الأخير سيناريو أوروبا المفضّل. ويختزل الجزء الأكبر من انتقادات وسائل الإعلام الأميركيّة في المبدأ القائل بأنّ حلفاء الناتو لن “يثقوا” بالولايات المتّحدة بعد اليوم.

يشكّل فقدان الذّاكرة هنا جزءًا من المشكلة. فقد تخطّى حلف الناتو خلافات داخليّة وانقسامات منذ بدايته. وقد ضمّت قائمة أمريكيّة سلوكيّات غير موثوقة، قام بها حلفاء في الناتو عام 1956، أي بعد سبع سنوات من تأسيس الحلف فحسب. إذ تواطأت فرنسا وبريطانيا مع إسرائيل في غزو مصر لاستعادة قناة السّويس، والإطاحة بالرّئيس المصري عبد النّاصر، من دون التّشاور مع واشنطن. وقد دفعت الضّربة الأخيرة من التوهّم الامبراطوريّ هذه، الرّئيس الأميركيّ أيزنهاور إلى حجب الدّعم الماليّ، والنّفط عن الحلفاء المتمرّدين، ما اضطرّهم إلى الانسحاب. قرّر بعد ذلك الرّئيس الفرنسيّ الجنرال ديغول سحب فرنسا من تنظيم الناتو العسكريّ عام 1966، ما شكّل ربّما أطول فترة من التجهّم الفرنسيّ في التّاريخ، إذ انتظرت فرنسا حتّى عام 2009 لإعادة ضمّ قواتها العسكريّة إلى الحلف. وتوالت النّقاشات، والعواصف، والاحتجاجات إلى ما لا نهاية في ستّينات القرن الماضي حتّى ثمانيناته، حول الوجود العسكريّ، والنوويّ الأميركيّ في أوروبا، وترافق ذلك مع تسجيل الكثير من الاحتكاكات بسبب محاولة القادة مواءمة الوسائل والغايات، والعقيدة والانتشار الفعّال، والسّياسات المتباينة على جانبيْ الأطلسيّ في محاولة لردع الاتّحاد السوفياتيّ.

وبرزت قضيّة إعادة توحيد ألمانيا مع انتهاء الحرب الباردة، وبعد سقوط جدار برلين عام 1989. استسهلت واشنطن الموضوع، غير أنّه تحقّق بفضل الدبلوماسيّة الأميركيّة، وحكمة الألمان، وتغاضي موسكو، متجاوزين بذلك رئيسة وزراء بريطانيا المتصلّبة، تاتشر، ورئيس فرنسا المتحفّظ إلى حدّ كبير، ميتران. ودعونا لا ننسى تجربة الولايات المتّحدة مع حلف الناتو في خلال حرب العراق الثّانية، عندما دفعت فرنسا جزءًا كبيرًا من أوروبا الغربيّة “القديمة” إلى معارضة المشاركة الأميركيّة، بينما اتّحدت الدول الأعضاء “الجديدة” في أوروبا الشرقيّة مع أميركا، وحتّى أن تركيا رفضت الوصول اللّوجستيّ للقوّات الأميركيّة المتّجهة إلى العراق. يدافع القليلون اليوم عن حملة عام 2003، لكنّ سلوك بعض الحلفاء الملتبس آنذاك فجّر أزمة ثقة حقيقيّة.

أعلن إيمانويل ماكرون، في وقت ليس ببعيد من عام 2019، إنّ حلف شمال الأطلسيّ في “حالة موت دماغيّ”، ودعا إلى تقليص اعتماد أوروبا على الولايات المتّحدة في مجال الأمن. غير أنّ نداءه لم يلقَ آذانًا مصغية. وعلى ضوء حال الحكم الفرنسيّ اليوم، نتساءل عمّن يعاني من الموت الدماغيّ الحقيقيّ ؟

لقد صمد الحلف أمام جميع تلك الأزمات، وحتّى أمام أزمات أخرى كثيرة. وسيصمد أيضًا في وجه الاضطرابات الرّاهنة، شرط أن يتذكّر القادة المصالح الأساسيّة الّتي تجمعهم: تهديدات مشتركة، ومصالح استراتيجيّة متوافقة، وقيم متقاسَمة، واعتماد اقتصادي متبادل، تنتفع منه ضفّتا الأطلسيّ.

وكما أثبتت حروب البلقان في تسعينات القرن الماضي، وكما تفعل أوكرانيا اليوم، تعجز أوروبا، ببساطة، عن مواجهة تحديّاتها الأمنيّة بمفردها. ويبقى من الصّعب أن تتقبّل دول فخورة، ووريثة تقاليد عريقة، هذه الحقيقة. غير أنّ جوهر الدولة يستلزم إدراك حدود قوّتها الذاتيّة.

ولا يخدم خطاب أوروبيّ، يغذّي في الولايات المتّحدة، عدم اهتمام متزايد بحلف شمال الأطلسيّ، مصالح أوروبا بأي شكل من الأشكال.

من المشروع تمامًا أن يعيد كل جيل تقييم خيارات السّياسة الخارجيّة والدفاعيّة الموروثة. نحن نعاصر زمنًا يبدو فيه وكأنّ النّقاش الهادئ والعقلانيّ ينتمي إلى عصر آخر، ومع ذلك لم يكن هذا النّقاش يومًا أكثر إلحاحًا ممّا هو عليه اليوم. قد لا يستسيغ الأوروبيّون أسلوب دونالد ترامب، ولا طريقة عمله، لكنّ معالجة الوضع الّتي فرضها الأخير قد تعزّز وضع الحلف بدل إضعافه. وتنمّ الزّيادات الكبيرة في ميزانيّات الدّفاع الأوروبيّة عن الضّغط الأميركيّ، بقدر ما تنمّ عن إدراك حقيقة العدوان الروسيّ، بشكل متأخّر، على حدودها.

أمّا اهتمام ترامب المفاجئ بغرينلاند، فقد أجبر حلف شمال الأطلسيّ، على الأقلّ، على الإقرار بأمر بديهيّ: يفرض التغيّر المناخيّ في القطب الشماليّ إعادة التّفكير في حماية المصالح المشتركة ضمن منطقة جديدة من التّنافس بين الشّرق والغرب.

نادرًا ما نتقبّل دروس الحياة بسهولة، والأسوأ عندما لا يشوبها خطأ. مع ذلك، إن لم تراجع أوروبا سياساتها التنظيميّة، والتكنولوجيّة، والضريبيّة الّتي تعيق النّمو، فإنّها لن تُضعف الاقتصاد العالميّ فحسب، بل ستقوّض أيضًا مصداقيّتها كشريك استراتيجيّ عاجز عن التّمويل لضمان أمنه. أمّا مع إعادة التّوازن في تقاسم الأعباء بين الحلفاء، ومع مراجعة استراتيجيّة واعية، وتقبّل اختلافاتنا الوطنيّة والسياسيّة بتسامح، سيبقى حلف شمال الأطلسيّ لعقود طويلة مقبلة، ركيزة أساسيّة للأمن والاستقرار، وعاملًا استراتيجيًّا لا غنى عنه بالنسبة إلى أعضائه كافة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us