عندما يهيمن “الحزب” على الدولة: تجاوزات قاسم بلا مساءلة

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
مع تفاقم الأزمتيْن السياسيّة والأمنيّة في لبنان، يتمّ تجاوز خطّ أحمر جديد، يكاد يمرّ وسط لامبالاة عامة، إذ تتحوّل الكلمة العلنيّة إلى فعل من أفعال السّيادة الموازية. تتعدّى تصريحات أمين عام حزب الله نعيم قاسم الأخيرة مجرّد الخطاب السياسيّ، أو المزايدة الإيديولوجيّة، فتندرج ضمن منطق الحلول مكان الدولة، وهو أمر ليس بجديد، ويتناقض بشكل صارخ مع مبادئ القانون والدّستور الأساسيّة، ومع مقتضيات السّيادة الوطنيّة.
عبر المطالبة، صراحة أو ضمنيًّا، بالحقّ في تقرير الحرب، وتوجيه عمل الجيش، وتهديد الدولة باضطرابات داخليّة، أو تحميل الحكومة المسؤوليّة الأمنيّة تحت طائلة نشر الفوضى، يتجاوز زعيم حزب الله حدًّا تعتبره أي دولة تسعى لأن تكون دولة قانونيّة جريمة يعاقب عليها القانون. إذ لن يُنظَر إلى هذه التّصريحات، في نظام مؤسسيّ طبيعيّ، كمجرّد نقاش سياسيّ، بل ستؤدّي إلى ملاحقات قضائيّة.
في هذا السّياق، القانون اللبنانيّ واضح ولا يحتمل اللّبس. فالدّستور يمنح مجلس الوزراء وحده سلطة اتّخاذ قرار الحرب والسّلم، في المادة 65. وأي ادّعاء علنيّ بالاستيلاء على هذا الحقّ هو إنكار مباشر للنّظام الدستوريّ. وبالمثل، يفرض مبدأ احتكار الدولة للأسلحة، الّذي كرّسته التّصريحات الوزاريّة المتعاقبة، حظر تحوّل أي تشكيل سياسيّ، أو عسكريّ، إلى قوّة رادعة مستقلّة، أو سلطة استراتيجيّة منافسة.
وعلى الصّعيد الجنائيّ، تطرح خطابات أمين عام الميليشيا المؤيّدة لإيران أسئلة أخطر بكثير من حريّة التّعبير. إذ يعاقب القانون الجزائيّ اللبنانيّ على الأفعال والأقوال الهادفة إلى إثارة تمرّد مسلّح، أو تشكيل جماعات مسلّحة أو تحريكها، أو تهديد الأمن الداخليّ. كما يجرّم أي تحريض من شأنه إثارة النّعرات الطائفيّة، أو تهديد السّلم الأهليّ. وعندما يتحدّث مسؤول سياسيّ عن الشّارع، والمواجهة، والتّعبئة العامة، أو النّزاع كخيارات محتملة للردّ على قرار حكوميّ، فهو لا يتصرّف كفاعل ضمن اللّعبة المؤسساتيّة، بل كفاعل يمارس الإكراه والتّهديد.
هذه ليست المرّة الأولى الّتي يحصل فيها تجاوز بهذا الحجم. إذ سبق وتقدّم بعض النوّاب والشخصيّات السياسيّة بدعوى قضائية ضد نعيم قاسم، خاصة بتهمة التّحريض على العنف الداخليّ، وتحدّي سلطة الدولة، والانتهاك الصّارخ للدّستور. وقد حصل الأمر وفق الأصول القانونيّة، فشكّل المشتكون طرفًا مدنيًّا في القضيّة، والأخيرة غير مصنَّفة نظريًّا بأنّها من دون متابعة. مع ذلك، لم يصدر حتّى اليوم أي قرار قضائيّ، ولم تُنجز أي تحقيقات جديّة، والملفّ في حالة جمود مثيرة للتّساؤل بقدر ما هي مقلقة.
جاءت الكلمة المتلفزة لرئيس القوّات اللبنانيّة، سمير جعجع، يوم الخميس في السياق عينه. فأعاد زعيم القوّات اللبنانيّة النّقاش إلى مستواه الحقيقيّ، من دون التوقّف عند الموازنات الحزبيّة، أو التّنافسات السياسيّة: مستوى المبدأ. فالمشكلة، كما أشار بوضوح، ليست في تشكيل سياسيّ، أو في صراع بين أحزاب سياسيّة، بل في وجود فاعل يتعمّد البقاء بعيدًا عن الإطاريْن القانونيّ والدستوريّ.
عندما يتولّى مسؤول ما صلاحيّات سياديّة مثل الحرب، والسّلم، والأمن، تقع مسؤوليّة الردّ على عاتق السّلطة التنفيذيّة. وليست الإجراءات المطروحة استثنائيّة، بل تمثّل الوظيفة الطبيعيّة لأي دولة. حكومة تمتلك الأدوات السياسيّة والقانونيّة لإبلاغ الجميع رسميًّا بطابع هذه التّصريحات غير القانونيّ، وتذكيرهم بالحدود المفروضة بالدّستور، ومخاطبة السّلطات القضائيّة المختصّة لاتّخاذ الإجراءات القانونيّة المقرّرة. كما يمكنها أن تؤكّد، عبر قرار واضح صادر عن مجلس الوزراء، إنّ أي انتهاك للسّيادة المؤسسيّة يشكّل فعلًا يعاقَب عليه، ويتعيّن أن يؤدّي، على الأقلّ، إلى حلّ جناح التّشكيل الشيعيّ العسكريّ. غير أنّ هذا يتطلّب وجود إرادة سياسيّة حقيقيّة.
ومع انعقاد مجلس الوزراء يفرض سؤال نفسه: هل ستكون كلمة الدولة أخيرًا على مستوى الخطر القادم؟ أو هل سيقبل لبنان دائمًا أن يحدّد فاعل مسلّح، بشكل علنيّ، حدود القانون، ومن دون أن يتلقّى ردًّا من القانون؟
تؤدّي تصريحات مماثلة، في أي دولة سياديّة، إلى ملاحقات قانونيّة، واستدعاءات، وربّما إلى توجيه اتّهامات قضائيّة. أمّا في لبنان، فهي تضاف إلى قائمة طويلة من الانتهاكات الدستوريّة غير المعاقب عليها. ويضعف الإفلات من العقاب هذا، بالتّحديد، أكثر من الكلمات، فكرة الدولة بحدّ ذاتها.
مواضيع ذات صلة :
الدولة تحمي وتبني | لن يفعلها الشيخ نعيم! | نعيم قاسم: صدِّقوه! |




