حماس وإيران: أزمات إقليميّة وعلاقة متقلّبة!

ترجمة هنا لبنان 1 شباط, 2026

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

تجسّد العلاقة بين حركة “حماس” وإيران تحالفًا معقّدًا يجمع بين الحسابات الاستراتيجيّة، والانتهازيّة السياسيّة، والضغوط الإقليميّة. بعيدًا كلّ البعد عن العلاقة التبعيّة، تشكّلت هذه الشراكة على مدى عقود، وتطوّرت في ظلّ التحوّلات الجيوسياسيّة المتلاحقة في الشّرق الأوسط.

أسس تحالف متناقض

يرتكز التّحالف بين الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، أي الدولة الشيعيّة، وحركة حماس، أي الحركة الإسلاميّة السنّية، على مبدأ “زواج المصلحة”، أكثر من ارتكازه على توافق إيديولوجيّ طبيعيّ. ويشير ماثيو ليفيت من “معهد واشنطن” (Washington Institute)، إلى تقديم إيران منذ أواخر الثّمانينيّات “دعمًا لوجستيًّا لحركة حماس، وتدريبًا عسكريًّا لأعضائها”. وسريعًا ما تجسّد هذا الدعم في تقديم مساعدات ماليّة، وصلت قيمتها إلى عشرات الملايين من الدولارات.

واعتبر المحلّل الفلسطينيّ زياد أبو عمرو، وفق ما نقلته مجلّة “جيروزالم ستراتيجيك تريبيون” (Jerusalem Strategic Tribune)، أنّ الدّعم الإيرانيّ لحماس بلغ فعلًا عشرات الملايين من الدولارات بحلول عام 1994. وقد تعمّقت هذه العلاقة إلى حدّ كبير بطريقة غير متوقّعة؛ إذ سهّلت الإجراءات الإسرائيلية عام 1987 أولى الاتّصالات بطرد قادة ينتمون إلى الجهاد الإسلاميّ الفلسطينيّ إلى لبنان، حيث التقوا بمسؤولين إيرانيّين في بيروت.

ويشرح المجلس الأوروبيّ للعلاقات الخارجيّة (European Council on Foreign Relations – ECFR) أنّ دعم إيران للقضيّة الفلسطينيّة يجمع بين دوافع إيديولوجيّة، ومصالح استراتيجيّة. وقد وظّفت إيران الفصائل المسلّحة الفلسطينيّة تدريجيًّا ضمن سياساتها الأمنيّة الإقليميّة، واستخدمتها من أجل احتواء إسرائيل وشنّ هجمات ضدّها، وهو أمر اعتبرته الأخيرة مع الولايات المتّحدة، بمثابة تهديد أساسيّ لاستقرارها.

دعم ماليّ وعسكريّ هائل

أكّد المستشار الأميركيّ السّابق للأمن القوميّ، جيك سوليفان، بعد هجوم 7 تشرين الأوّل 2023، “تواطؤ إيران في الهجوم بالمعنى الواسع، لأنّها أمّنت الجزء الأكبر من تمويل جناح حركة حماس العسكريّ”. وتشير التّقديرات الحاليّة إلى أنّ الدعم الإيرانيّ يتراوح ما بين 70 و100 مليون دولار سنويًّا.

ولا يقتصر هذا الدّعم على تحويل الأموال فحسب، فإيران درّبت مهندسين فلسطينيّين على تصنيع الأسلحة محليًّا، حتّى أصبحت اليوم تُشكّل جزءًا مهمًّا من ترسانة حماس. ووصلت الأسلحة الإيرانيّة إلى غزّة عبر طرق معقّدة تضمّنت اليمن، والسودان، ثمّ الصّحراء المصريّة بمساعدة مهرّبين بدويّين، قبل أن تمرّ عبر الأنفاق الحدوديّة الّتي بناها التّنظيم.

ويدلّ مثال حسن سلامة، قائد حماس المسؤول عن هجمات 1996 الانتحاريّة، على حجم هذا التّعاون؛ فبعد تلقّيه تربية إيديولوجيّة في السودان، أُرسل إلى سوريا ثمّ إلى إيران، حيث خضع لتدريب عسكريّ مكثّف استمرّ ثلاثة أشهر على يد مدرّبين إيرانيّين.

علاقة متقلّبة في ظلّ أزمات إقليميّة

يبرهن التّاريخ الحديث أنّ حركة حماس وإيران يضبطان مواقعهما باستمرار، بما يتناسب مع حساباتهما الاستراتيجيّة الخاصّة. فقد شكّلت ثورة 2011 السوريّة اختبارًا مهمًّا لهذه الشراكة، إذ أدّى رفض قيادة حماس السياسيّة دعم بشّار الأسد بشكل غير مشروط، إلى توتّر في العلاقة، ما دفع إيران إلى خفض مساعداتها الماليّة إلى النّصف.

وخلال هذه المرحلة، حاولت حماس إعادة توجيه نفسها نحو ما وصفه “مركز تشاثام هاوس” (Chatham House) البريطانيّ بـ”المحور السنيّ”، لا سيّما مصر، ودول في الخليج مثل قطر. وفي عام 2017، كشفت الحركة عن منصّة سياسيّة أكثر مرونة، تهدف إلى تحسين موقعها في العالم العربيّ والغربيّ، غير أنّ هذه الاستراتيجيّة لم تحقّق أهدافها المرجوّة بعد الإطاحة بالرّئيس المصريّ محمد مرسي، المقرّب من جماعة الإخوان المسلمين، وتشديد الحصار على غزّة من قبل خلفه عبد الفتّاح السّيسي.

ويشير مركز تشاثام هاوس إلى تطوير إيران “شبكة الشّبكات”، عالية المرونة، تعمل عبر الحدود الرسميّة وغير الرسميّة، وفي الاقتصادات المشروعة وغير المشروعة، ما يمكّن إيران من إعادة تشكيل تحالفاتها عند استهداف جزء من هذه الشّبكة، أو تفكيكه. وبهذا، حافظت إيران على علاقات وثيقة مع قادة حماس المتشدّدين المُقيمين في غزّة حتّى في فترات التوتّر.

هجوم السّابع من تشرين الأول: استقلاليّة تكتيكيّة وحسابات استراتيجيّة

أعاد هجوم السّابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 فتح النّقاش حول درجة النّفوذ الإيرانيّ. فقد نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال”، عن مسؤول في الحركة، أنّ إيران شاركت في تخطيط الهجوم، ومنحته الضّوء الأخضر في خلال اجتماع عُقد في بيروت. مع ذلك، تفيد التّقديرات الاستخباراتيّة الأميركيّة بأنّ طهران فوجئت بالهجوم.

ويشدّد ماثيو ليفيت على أنّه، وبمعزل عن أي معرفة مسبقة لدى طهران، فإنّ “إيران اضطّلعت بتمويل حركة حماس، وتسليحها، وتدريب كوادرها، فضلًا عن تزويدها بالدّعم الاستخباراتيّ، على مدى عقود”. وتبيّن برامج التّدريب الإرهابيّ الإيرانيّ، والجهود المستمرّة الّتي بذلتها إيران، كيف تمكّنت حماس من تنفيذ هذا الهجوم.

ويشير “معهد دراسات الأمن القوميّ الإسرائيليّ” (Institute for National Security Studies – INSS) إلى سرعة طهران في التنصّل من الهجوم ومن أي مسؤوليّة مباشرة، حيث أبلغت رئيس مكتب حماس السياسيّ السّابق، إسماعيل هنية، نيّتها الاكتفاء بتقديم دعم سياسيّ لا عسكريّ. ويعكس هذا الموقف حرص القيادة الإيرانيّة على تجنّب الانزلاق إلى مواجهة إقليميّة شاملة قد تهدّد منظومة مصالحها الاستراتيجيّة.

حدود النّفوذ الإيرانيّ

يعكس نموذج الشّبكات اللّامركزيّة الّذي تبنّته إيران تدريجيًّا، لا سيما بعد اغتيال قاسم سليماني عام 2020، حقيقة أنّ نفوذها على حركة حماس لا يُترجَم بالضّرورة بسيطرتها الكاملة، أو المستمرّة عليه. وكما يشير “مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والدوليّة” (CSIS)، فإنّ هذه الفصائل “لا تشكّل أدوات تتلاعب بها طهران، وعلاقاتها بها في تطوّر مستمرّ”.

ويرى “المجلس الأوروبيّ للعلاقات الخارجيّة” (ECFR) أنّ مسار حماس المستقبليّ ستحدّده جزئيًّا قدرة الدول العربيّة والغربيّة على تعزيز الأصوات المعتدلة في الحركة، من خلال طرح “مسار سياسيّ واقعيّ يؤدّي إلى الاستقلال الفلسطينيّ”. وقد أسهم فشل التزام الغرب مع جناح حماس المعتدل، بعد فوزها في انتخابات عام 2006، على نحوٍ لافتٍ، في تعزيز نفوذ التيّار المتشدّد الدّاعي إلى توثيق العلاقات مع إيران بشكل أكبر.

وفي هذا الإطار، تشكّل الحرب على غزّة لحظة حاسمة. إذ يشير “معهد دراسات الأمن القوميّ” (INSS) إلى عجز إيران عن تحقيق هدف محوريّ، عبر شبكة وكلائها الإقليميّين، يتمثّل في ممارسة ما يكفي من الضّغط على الولايات المتّحدة لدفعها إلى إنهاء دعمها غير المشروط لإسرائيل.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us