الاقتصاد الإيرانيّ: اللّغز الكامن خلف “هيئة تنفيذ أوامر الإمام”

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
في إيران الخاضعة لسلطة المرشد الأعلى علي خامنئي، تعمل آلة اقتصاديّة وماليّة هائلة بعيدًا عن الأنظار العامة. إنّها “هيئة تنفيذ أوامر الإمام” المعروفة باختصار تحت تسمية “ستاد” Setad المبنيّة على هامش مؤسّسات الدولة الرسميّة. للوهلة الأولى، يوحي اسمها بطابع دينيّ، يكاد يكون خيريًّا. غير أنّ الواقع يكشف عن كيان مختلف تمامًا: عملاق اقتصاديّ شبه حكوميّ، يخضع مباشرة لسلطة المرشد الأعلى للجمهوريّة الاسلاميّة، ويمسك بمفاصل واسعة من الاقتصاد الوطنيّ.
تتجلّى أبعاد هذه القوة الخفيّة بوضوح في ضوء الاضطّرابات الماليّة الّتي شهدها عام 2025. ففي ربيع ذلك العام، عرفت إيران موجة غير مسبوقة من هروب رؤوس الأموال، مع خروج ما يقارب 9 مليارات دولار من البلاد، ما يكشف عمق التوتّرات الاقتصاديّة. وفي سياق يتّسم بأزمة اقتصاديّة خانقة، وتدهور مستمرّ في قيمة العملة الوطنيّة، وتراجع حادّ في العائدات النفطيّة، يبرز هذا الكيان بوصفه فاعلًا محوريًّا قادرًا على احتواء الموارد، وحمايتها، وإدارتها، في وقت تعجز فيه القنوات الرسميّة عن السّيطرة عليها. وبين كانون الثّاني وتمّوز 2025، مرّ نحو 3.7 مليارات دولار عبر العملات المشفّرة، قبل أن تشهد هذه التدفّقات انكماشًا حادًّا بعد نيسان. وفي مواجهة تضخّم متسارع، وأزمة مصرفيّة عميقة، وعجز قياسيّ في الميزانيّة، يسلّط وجود هذه البنية شبه المعتّمة الضّوء على هشاشة النّظام الاقتصاديّ الإيرانيّ، وتعقيداته، حيث يتشابك النّفوذ السياسيّ مع التدفّقات الماليّة في الظلّ.
وتمتلك هيئة “ستاد” اليوم أصولًا ضخمة، لا سيّما في قطاعات العقارات، والطّاقة، والاتّصالات، والقطاع الماليّ، والصّناعة. فقد قدّرت وكالة رويترز في عام 2013 قيمة أصولها بنحو 95 مليار دولار، موزّعة بين ممتلكات عقاريّة، وحصص، في أكثر من ثلاثين شركة، تنشط في قطاعات محوريّة من اقتصاد الدولة. وتشير تقديرات أخرى إلى رقم قد يصل إلى 200 مليار دولار، غير أنّ التأكّد من هذه الأرقام يبقى مستحيلًا بشكل مستقلّ.
من نظام الخمينيّ إلى إمبراطوريّته
تعود جذور “ستاد” إلى عام 1989، حين أصدر روح الله الخمينيّ، في مرسومه الأخير، تكليفًا لثلاثة من المقرّبين منه بجمع الممتلكات “الّتي لا مالك لها”، المصادَرة عقب ثورة عام 1979، وإدارتها، وإعادة توزيعها، استنادًا إلى المادة 49 من الدّستور الايرانيّ. وقد أسّس هذا المرسوم لبنية غامضة حملت اسم “ستاد تنفيذ فرمان الإمام”، أي هيئة تنفيذ أوامر الإمام.
وخلف النيّة المعلنة القاضية بمساعدة “الفقراء والعمّال”، ما لبثت أن تحوّلت هذه الهيئة إلى قوة اقتصاديّة أخطبوطيّة، تجاوزت فكرة إعادة توزيع الثّروة بأشواط. ووفق الرّواية الرسميّة، كان على هذا التكتّل إدارة ممتلكات مخصّصة للصّالح العام، ودعم الفئات الأكثر فقرًا. غير أنّها سرعان ما أصبحت، في الواقع، عملاقًا اقتصاديًّا شبه حكوميّ، يهيمن على قطاعات واسعة من الاقتصاد الايرانيّ، ويخضع لسلطة المرشد الأعلى الحاليّ، علي خامنئيّ، المباشرة.
ولا يقتصر دور “ستاد” على إدارة الأصول فحسب، بل تشكّل أداة نفوذ سياسيّ مركزيّة. فعلى الصّعيد الداخليّ، تفلت مواردها بشكل كبير من آليّات الرّقابة، وإن كانت محدودة، في البرلمان الإيرانيّ، ما يتيح للسّلطة الدينيّة تمويل شبكات النّفوذ، ودعم الفصائل الموالية، وترسيخ قبضة علي خامنئيّ على مفاصل الدولة.
أمّا على المستوى الخارجيّ، فتؤدّي هذه الرّساميل غير المرئيّة دورًا استراتيجيًّا. فمن خلال شبكات ماليّة معقّدة، وروابط وثيقة مع الحرس الثوريّ الايرانيّ، يتدفّق جزء من هذه الموارد نحو جهات موالية إقليميّة، مثل حزب الله في لبنان، وغيره من الأذرع الشيعيّة في الشّرق الأوسط، بما يعزّز النّفوذ الإيرانيّ أبعد من حدوده.
من يمسك بزمام السّلطة؟
ترتبط قيادة “ستاد” ارتباطًا مباشرًا بالمرشد الأعلى، ما يجعل هذه المؤسّسة امتدادًا فعليًّا لسلطته الشخصيّة. وعلى مرّ السّنين، شغلت شخصيّات مقرّبة من التيّار المتشدّد في النّظام هذا الموقع الاستراتيجيّ، وكان من أبرزها محمّد مخبر، الّذي تولّى إدارة الهيئة لفترة طويلة قبل انتقاله إلى مناصب حكوميّة أعلى. ويجسّد مساره بوضوح طبيعة العلاقة العضويّة بين “ستاد”، والدّائرة الضيّقة لمركز القرار في الجمهوريّة الاسلاميّة.
وتخضع المنظّمة، حتّى يومنا هذا، لإدارة كوادر تَدين بالولاء للمرشد الأعلى، وغالبًا ما تجمع بين عضويّتها في مجالس اقتصاديّة، أو قضائيّة، أو دينيّة في الدولة. وتتجاوز مهام هؤلاء مجرّد إدارة الأصول، إذ يشرفون على تراكم رأس مال معتّم، ويوجّهون الاستثمارات نحو قطاعات استراتيجيّة، ويعيدون تدوير العائدات ضمن هياكل ماليّة تخدم، في جوهرها، أهدافًا سياسيّة تصبّ مباشرة في مصلحة النّظام.
العقوبات الدوليّة: عملاق رغم كل شيء
بحكم طبيعتها، تعمل هيئة “ستاد” بعيدًا عن أطر الشفافيّة الماليّة التقليديّة. فلا تُنشر حساباتها، ويكاد نشاطها يفلت بالكامل من رقابة البرلمان الايرانيّ، ما يجعلها منطقة رماديّة مؤسسيّة في النّظام السياسيّ الايرانيّ.
غير أنّ هذا الغموض لم يمرّ من دون انتباه دوليّ. فمنذ عام 2013، استهدفت وزارة الخزانة الأميركيّة “ستاد”، وعددًا من شركاتها التّابعة ضمن حزمة عقوبات طالت “شبكة من الشّركات الّتي تُخفي أصولًا لصالح القيادة الايرانيّة”، وانتقدت طابع هذه الكيانات المعتّم، والاستخدام السياسيّ للثّروات.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن إطار أوسع يستهدف المؤسّسات المرتبطة مباشرة بالمرشد الأعلى علي خامنئيّ، الّذي يُنظر إلى دوره السياسيّ، والعسكريّ، والاقتصاديّ، بوصفه عنصرًا محوريًّا في رسم سياسات طهران الاقليميّة. ورغم أنّ هذه العقوبات تهدف، من بين أمور أخرى، إلى تقييد وصول النّخبة الحاكمة إلى النّظام الماليّ الدوليّ، ومعاقبة الكيانات الّتي تُستخدم للالتفاف على القيود المفروضة، فإنّها لم تنجح، على ما يبدو، في إحداث تصدّع جوهريّ في بنية هذا الجهاز. فبفضل شبكة معقّدة من الهياكل الموزّعة عبر عدد لا يُحصى من الشّركات المحليّة، وعقود تجاريّة يكتنفها الغموض، استطاعت هيئة “ستاد” التّحايل على القيود الدوليّة، ومواصلة نشاطها وازدهارها، غالبًا بعيدًا عن أعين الرّقابة الماليّة الغربيّة.
في إيران اليوم، لم يعد مقرّ تنفيذ أوامر الإمام مجّرد إرث لمرسوم ثوريّ قديم، بل بات نواة امبراطوريّة اقتصاديّة سريّة، وأداة ماليّة تفلت من أي تنظيم تقليديّ، وتمتدّ تشعّباتها لتغذية قوة نظام ثيوقراطيّ يرزح تحت ضغط دائم وعقوبات دوليّة.




