كيف فرضت أنقرة نفسها كمنصّة حوار دوليّ؟!

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
تجد إسطنبول نفسها في قلب مشهدٍ دبلوماسيٍّ محفوفٍ بالمخاطر، بعدما وافقت إيران، بشكلٍ مشروطٍ، على استئناف المفاوضات النوويّة مع الولايات المتّحدة، في خطوةٍ أولى منذ الضّربات الأميركيّة الّتي استهدفت ثلاثة مواقع نوويّة إيرانيّة صيف 2025.
وتجري هذه المناقشات، المقرّرة الجمعة في تركيا، في ظلّ تصاعد التوتّرات العسكريّة، مع نشر القوّات الأميركيّة في المنطقة، وتهديدات صريحة بالتّصعيد من قبل الطّرفَيْن. وما من صدفة في اختيار إسطنبول لعقد هذه اللّقاءات، بل تجسيد للمكانة الفريدة الّتي تحتلّها تركيا اليوم كمنصّة دبلوماسيّة، ومحور للمفاوضات في نظام دوليّ مجزّأ.
وساطة في لحظة حرجة
وفق مصادر نقلتها شبكة “CNN”، كان من المقرّر أن يلتقي وزير الخارجيّة الإيرانيّ عباس عراقجي في إسطنبول الممثّل الأميركيّ الخاص ستيف ويتكوف، إضافة إلى جاريد كوشنر، صهر الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب. وأكّد الرّئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان توجّه بلاده نحو المفاوضات، موضحًا أنّها استجابة لـ”طلبات حكومات صديقة في المنطقة”، مع التّشديد على احترام المصالح الوطنيّة الإيرانيّة.
وتتناقض هذه الانفتاحيّة الحذرة مع لهجة المرشد الأعلى علي خامنئيّ الأكثر صرامة، الّذي حذّر من العواقب الإقليميّة لأي ضربة أميركيّة جديدة.
وفي هذا السّياق، برزت تركيا كوسيط مقبول لجميع الأطراف، باقتراحها استضافة محادثات موسّعة يُشارك فيها مسؤولون من دول عربيّة رئيسية، بينها قطر، والسعوديّة، والإمارات. وتشكّل القدرة على جمع أطراف ذات مصالح متباينة واحدة من أبرز عناصر جاذبيّة الدبلوماسيّة التركيّة.
الدبلوماسيّة التركيّة كرصيد استراتيجيّ
وفق تحليل صدر عن مركز “Valdai Discussion Club” الروسيّ في حزيران 2025، تعتمد تركيا أقلّ على الحياد التقليديّ، وأكثر على مزيج من القرب الجغرافيّ، والرّوابط الحضاريّة، والبراغماتيّة السياسيّة. ولا تسعى أنقرة لأن تصبح “جنيف جديدة”، بل للبقاء كعاصمة منخرطة، وأحيانًا مُتحيّزة، وفعّالة في الوقت عينه.
وتستند هذه المقاربة إلى رأس المال العلاقاتيّ الّذي بناه الرّئيس رجب الطيّب أردوغان على مدى أكثر من عقدَيْن، إضافةً إلى خبرة وزير الخارجيّة هاكان فيدان الأمنيّة والدبلوماسيّة. وتُتيح هذه الدبلوماسيّة “الرياديّة”، وفق تعبير المسؤولين الأتراك، مرونةً أكبر، واستخدام القنوات الثنائيّة بدل التعدديّة المؤسسيّة، ما يمكّن تركيا من الحفاظ على خطوط اتّصال مع أطراف غالبًا ما تكون في حالة انقطاع حواريّ، سواء تعلّق الموضوع بقوى غربيّة، أو بروسيا، أو بإيران.
المثال الأوكرانيّ ومصداقيّة إسطنبول
برزت إسطنبول كمنصّة دبلوماسيّة منذ الأسابيع الأولى من حرب أوكرانيا. ففي آذار 2022، استضافت تركيا اللّقاءات الأولى رفيعة المستوى بين المسؤولين الروس والأوكرانيّين، في أنطاليا، ثمّ في إسطنبول. وبعد أشهر متعدّدة، رعت أنقرة، بالتّعاون مع الأمم المتّحدة، مبادرة البحر الأسود للحبوب، الّتي سمحت بتصدير الحبوب الأوكرانيّة على الرغم من استمرار النّزاع.
وقد عزّز هذا الاتّفاق، الّذي حظي بإشادة دوليّة، مصداقيّة تركيا كوسيط عمليّ.
سهّلت تركيا أيضًا تبادلات أسرى بين موسكو وكييف، ومن بينهم رعايا غربيّون، كما حافظت على حوارٍ مستمرٍّ مع العاصمتيْن، على الرغم من انتمائها إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”. وقد مكّنها هذا الموقف، الموصوف غالبًا بـ”الحياد المضبوط”، من الاحتفاظ بدورٍ فاعلٍ، في وقتٍ أُغلقت فيه قنوات دبلوماسيّة أخرى.
جاذبيّة قائمة على الغموض الاستراتيجيّ
وفق تقارير “المجلس الأطلسيّ” (Atlantic Council)، أصبح اليوم ما كان يُعتبَر في السّابق تناقضًا في السّياسة الخارجيّة التركيّة، أي قدرتها على الحوار مع الأطراف المتقابلة، واحدًا من أبرز أصولها. فتركيا هي في الوقت عينه حليفة للناتو، وشريكة للطّاقة مع روسيا، وداعمة لأوكرانيا، ودولة تعتبرها إيران غير معادية. ويستند هذا الغموض الاستراتيجيّ، الّذي يفرضه إلى حدٍّ كبيرٍ موقعها الجغرافيّ قرب مناطق نزاع متعدّدة، إلى منطق الضّرورة أكثر منه إلى خيار إيديولوجيّ.
وفي نظام دوليّ متعدّد الأقطاب، تعكس هذه المرونة اتّجاهًا أوسع تتبنّاه قوى وسيطة أخرى، حيث تسعى تركيا إلى ممارسة دبلوماسيّة التّوازن، الّتي تهدف أقلّ إلى الانحياز الكامل، وأكثر إلى الحفاظ على هوامش المناورة.
حدود الدّور كمنصّة دبلوماسيّة
لا يسلم هذا الموقف من الانتقادات. إذ يثير التورّط العسكريّ التركيّ في سوريا وليبيا، أو دعم تركيا الواضح لأذربيجان في القوقاز، تساؤلات حول قدرتها على الظّهور كوسيط محايد. ويشير نادي “Valdai Discussion Club” إلى أنّ هذه الثنائيّة، كونها طرفًا مشاركًا وفي الوقت عينه مُسهّلًا، تُعرّض أنقرة لتهم التحيّز، ولخطر الانخراط المفرط.
وتضاف إلى ذلك قيود اقتصاديّة ومؤسّسيّة. فبِخلاف بعض القوى الغربيّة، لا تمتلك تركيا موارد ماليّة كافية لدعم عمليّات الاستقرار بعد النّزاع بشكل دائم، ما قد يحدّ من مدى تأثير مبادراتها الدبلوماسيّة.
مركزيّة مرشّحة للاستمرار
على الرغم من هذه القيود، يعكس تنامي اللّقاءات الدبلوماسيّة في إسطنبول، سواء المناقشات الروسيّة – الأوكرانيّة، أو المفاوضات النوويّة مع إيران، أو المبادرات الأفريقيّة، اعترافًا متزايدًا بدور تركيا كمنصّة للحوار. وفي سياقٍ يشهد تآكل الأطر متعدّدة الأطراف التقليديّة، وتصاعد التّنافس الإقليميّ والدوليّ، تشغل أنقرة مساحة تركها الفاعلون المؤسسيّون الآخرون.
لا تدّعي تركيا إعادة صياغة النّظام الدوليّ، لكنّها تفرض نفسها كوسيطٍ قادرٍ على إبقاء قنوات التّواصل مفتوحة، عندما تهدّد التوتّرات بالانفجار. وتشكّل المفاوضات الإيرانيّة – الأميركيّة مثالًا على دورها كمنصّة دبلوماسيّة براغماتيّة، تقوم أهميّتها أقلّ على الحياد، وأكثر على قدرتها على مخاطبة الجميع في وقتٍ يعجز فيه الآخرون عن ذلك.




