طرابلس تتداعى… ومعها الدولة!

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Tylia El Helou لـ”Ici Beyrouth”:
ما جرى أمس في باب التبّانة، بعد المأساة التي ألمّت بالقبّة قبل أسبوعين، ليس حادثاً معزولاً، ولا قدراً محتوماً. إنه العارض الأكثر وضوحاً لدولة هرمة، ومهملة، ومتصدعة، تماماً كالمباني التي تنهار فوق رؤوس سكانها.
في طرابلس الفيحاء، عاصمة الشمال، مبانٍ مهدّدة بالانهيار، وأحياء كاملة تعيش في خوف دائم، فيما أُعلنت المدينة رسميّاً منطقة منكوبة. توصيف ثقيل الدلالة، يكاد يكون غير واقعي، إذ يفترض أن يُحدث صدمة وطنية كبرى. إنما، لا شيء.
أما المواطنون، فقد تُركوا لمصيرهم. لا تعويضات مقدّمة، ولا إعادة إسكان لائقة، ولا إجراءات وقائية تمنع تكرار المآسي عينها. لا شيء سوى الخوف اليومي، والتخلّي التام. و”بالكاد” تصمد المباني المتصدّعة، وتتراكم التحذيرات، فيما غياب الدولة مدوٍّ.
ويُعيد المسؤولون السياسيون، والمنتخبون المحلّيون السيناريو عينه أمام الكوارث المتكرّرة هذه، فيسارعون إلى الإدلاء ببيانات تعزية، وتصريحات مُستنكرة، وإدانات فضفاضة لـ “إهمال الدولة”، و”تخلّيها”. ومن ثم، لا شيء. لا خطة طوارئ، ولا معالجة جدّية لأوضاع المتضرّرين، ولا أي إجراء ملموس لتدعيم المباني المهدّدة بالانهيار.
حتّى المجلس البلدي في طرابلس يُشكّل مثالاً حيّاً على هذا التنصّل الجماعي، إذ أعلن وضع استقالته بتصرّف وزير الداخلية، من دون أن يقدّمها فعليًاً، ومن دون أن يتحمّل مسؤوليّاته على أكمل وجه، أو يحدث الصدمة المؤسّسية التي تفرضها الظروف. إنّها استقالة شكلية، تعكس سلطة محلّية مصابة بالشلل، ودولة تتهرّب.
والأسوأ هو تحول هذه المآسي إلى فرص: زيارات خاطفة، وصور أمام الركام، ووعود فارغة، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. لقد أصبح استغلال معاناة سكّان طرابلس سياسيًاً ممارسة مألوفة وعادية، تكاد تكون معلنة. يستثمر الغضب، والبؤس، والخوف، ويغيب التصدّي الفعلي لجذور المشكلة الحقيقية.
قبل أسبوعين، وبعد المأساة في القبّة، وعد رئيس الوزراء نواف سلام بالتعامل مع ملف طرابلس بشكل عاجل. وعد بالتحرّك، ووعد بمنع حصول أي انهيارات جديدة. إنّما، وبعد أسبوعَيْن، كل شيء على حاله. لا ورش عمل أو مشاريع، ولا إجراءات استثنائية، ولا مؤشر ملموس إلى وعي حقيقي إزاء الوضع. وما زال السكان ينامون تحت أسقف متصدّعة، ويقبعون في مبانٍ صامدة بفعل معجزة.
طرابلس لا تنهار جسدياً فحسب؛ طرابلس تعكس حالة دولة تواجه تحلّلاً متقدّماً، ودولة تعجز عن أداء واحدة من واجباتها الرئيسيّة، ألا وهي حماية مواطنيها. ما دام المسؤولون يكتفون بالكلمات، وما دامت الحالات الطارئة مهمّشة ومؤجّلة بسبب الحسابات السياسية، ستنهار مبانٍ أخرى، ومعها سيتلاشى ما تبقّى من مصداقية دولة، لفظت أنفاسها الأخيرة.
مواضيع ذات صلة :
نقابة محامي طرابلس تُحذّر: انهيار الأبنية جريمة إهمال وتلوّح بمساءلات قانونية شاملة | لمعالجة ملف الأبنية المتصدّعة في طرابلس… اجتماع موسّع في سرايا المدينة | قاسم: لا أحد يلعب بيننا وبين رئيس الجمهورية |




