حرب العوالم!

ترجمة هنا لبنان 12 شباط, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:

الحرب الّتي نراها اليوم ليست كما نظنّ. فهي لا تُخاض في غزّة، ولا في أوكرانيا، ولا في مضيق هرمز. ليست تلك النّزاعات سوى جبهات هامشيّة، ومناطق احتكاك محليّة. أمّا خطّ الانقسام الحقيقيّ في القرن الحادي والعشرين فيتمثّل في صراعٍ بين قوّتيْن تُعيدان حاليًّا تشكيل العالم: الولايات المتّحدة والصّين.

ليست هذه حربًا عسكريّةً تقليديّةً؛ إنّها حرب اقتصاديّة، وطاقويّة، وتكنولوجيّة، وبحريّة. غير أنّها، وقبل كل شيء، حرب طويلة الأمد.

منذ عقد من الزّمن، بدأت واشنطن تعتبر بكين، تدريجيًّا، خصمها الاستراتيجيّ الأهمّ. ولا تقتصر هذه المنافسة على التّجارة، أو أشباه الموصلات؛ بل تمتدّ إلى جوهر القوّة الحديثة: السّيطرة على الطّاقة، وعلى الطّرق الّتي تُتيح نقلها. لقد أصبحت الصّين القوّة الصناعيّة الأولى في العالم، لكنّها تبقى رهينة اعتمادها على موارد خارجيّة، وفي مقدّمتها النّفط. وتمثّل احتياجاتها الطاقويّة الهائلة نقطة ضعفها الجوهريّة. فهي، وبفارق شاسع، أكبر مستورد للنّفط في العالم، بما يقارب 11.5 مليون برميل يوميًّا، لتشغيل مصنع الكوكب.

تكتسب، في هذا السّياق، كل أزمة طاقويّة بعدًا عالميًا. إذ تُعتبر إيران وفنزويلا، وهما دولتان خاضعتان للعقوبات الأميركيّة، من أبرز مزوّدي الصّين بالنّفط، بأسعار مخفّضة. وبكين هي مشتري الخام الإيرانيّ الأوّل، على الرغم من الضّغوط الغربيّة.

ليست القضيّة إذًا مجرّد شأن إقليميّ؛ إنّها مسألة توازن استراتيجيّ. يمكن اعتبار الضّغط الأميركيّ على هذه الأنظمة محاولة لتقليص هوامش الصّين الطاقويّة. أمّا الحدث الفنزويليّ الأخير، المرتبط باحتجاز مادورو، فقد أضعف المصالح الصينيّة في المنطقة، وفسّره بعض المراقبين كرسالة مباشرة إلى بكين: نصف الكرة الغربيّ هو مجال نفوذ استراتيجيّ لواشنطن. ونقطة على السّطر.

مع ذلك، تبقى هذه المواجهة محكومةً بالمفارقات. فالقوّتان متشابكتان إلى درجةٍ تمنعهما من خوض حرب عسكريّة مباشرة. وسيشكّل اندلاع مواجهة بين الولايات المتّحدة والصّين انتحارًا للإمبراطوريّتَيْن. لذا، تنتقل المواجهة إلى ساحات أخرى: العقوبات، والتّحالفات، والمضائق البحريّة، وسلاسل الإمداد. فمضائق مالاغا، وباب المندب، وهرمز، والسّويس لم تعدْ مجرّد ممرّات تجاريّة؛ بل تحوّلت إلى نقاط ضغط استراتيجيّة.

استعاد البحر مكانته كمركز العالم. فالصّين تُحدّث أسطولها لتأمين طرقها التجاريّة، فيما تسعى الولايات المتّحدة إلى تكريس هيمنتها البحريّة التاريخيّة.

وتحتلّ روسيا في هذا الصّراع موقعًا ملتبسًا. فهي تمتلك أراضٍ شاسعة تمثّل %11 من اليابسة، وتشكّل قوّة طاقويّة كبرى، لكنّها لا تُضاهي العملاقيْن، كإمبراطوريّة اقتصاديّة. مع ذلك، تبقى لاعبًا محوريًا بفضل جغرافيّتها، ومواردها. وهي تتأرجح بين تقارب تكتيكيّ مع بكين، وبين حذر استراتيجيّ من قوّة ديموغرافيّة وصناعيّة قد تتحوّل، على المدى الطّويل، إلى قوّة ساحقة.

أمّا أوروبا فتبدو أكثر فأكثر فضاءً اقتصاديًا محضًا، لا قوّة سياسيّة فاعلة: سوقًا لمستهلكين يشيخون، تعتمد عسكريًا وطاقويًا على غيرها، وتفقد موقعها في عالم استعاد قسوته.

لن يكون القرن الحادي والعشرين نسخةً عن الحرب الباردة. ولن نشهد معركة فاصلة، ولا استسلامًا نهائيًّا. إنّ المنافسة الصينيّة – الأميركيّة أقرب إلى صراع تآكل بطيء: السّيطرة على التدفّقات بدلًا من الأراضي، وتأمين الموارد بدلًا من غزو البلدان.

ليست حرب المستقبل حرب دبابات، إنّما حرب طرق بحريّة، وأنابيب نفط، وعقوبات، وتبعيّات. وفي هذه الحرب، لا يربح مَن يسيطر على الطّاقة المعركة فحسب، بل يكتب قواعد العالم. والولايات المتّحدة، والصّين لا تستطيعان سويًّا تحمّل مغامرة مواجهة عسكريّة مباشرة، ستكون حتمًا نوويّة.

لأنّه، وكما قال أينشتاين: “لا أعرف ما نوع الأسلحة المُستخدَمة في الحرب العالميّة الثّالثة، لكنّ الرّابعة ستُخاض بالعصي والحجارة”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us