صيام مزدوج وجنوب يصارع في سبيل البقاء!

ترجمة هنا لبنان 15 شباط, 2026

كتبت Katia Kahil لـ”Ici Beyrouth”:

لم يعدِ الإيمان يُقاس اليوم، في جنوب لبنان، بحماسة المسيرات الدينيّة، بل بقدرة النّاس على التكيّف مع شحّ الموارد. ولا يلتقي هلال رمضان، ورماد الصّوم الكبير في شباط 2026 كرمزٍ مسكونيّ عابر، بل يتداخلان في خضمّ محنة واحدة: شحّ، وتعب، وانعدام أمن. وتحت أزيز المُسيّرات، ليس الجنوب بصدد الاحتفال، بل بصدد الصّراع في سبيل البقاء.

مع ذلك، وخلف البيوت المتضرّرة، والمتاجر المتهالكة، تسمح بعض التصرّفات البسيطة، كمشاركة وجبة أو تعليق فانوس، باستمرار روح التّضامن والإنسانيّة.

بين تضخّم خارج عن السّيطرة، وأجور فقدت قيمتها، يتزامن صيامان اثنان. وفي منطقة منهكة بسبب حرب دامت عامَيْن، وغلاء معيشيّ فاحش، تجاوز الصّيام مجرّد الفعل الروحيّ ليصبح استراتيجيّةً للبقاء. غير أنّه يشكّل أيضًا، أحيانًا، الخيط الأخير الّذي يربط المواطنين بما تبقّى من حياة طبيعيّة وتضامن.

الصّيام تحت مجهر الأرقام

في مرجعيون، أو الخيام، أو بنت جبيل، أو شبعا، افتقرت موائد الإفطار، ووجبات الصّوم الكبير إلى الوفرة، فغدت متشابهة: متقشّفة، ومدروسة، وأحيانًا مقتصرة على الأساسيّات. “كانت هذه الفترات تجمع العائلات قبل الحرب. أمّا اليوم، فكلّ طبق محسوب”، يقول نديم، وهو عامل يوميّ في مرجعيون. ويُلخّص علي، المزارع من منطقة بنت جبيل، هذا التحوّل فيقول: “كان رمضان شهر مشاركة وسخاء. وأصبح شهر حساب مستمرّ”.

بحسب تجّار في النبطيّة ومرجعيون، ارتفعت أسعار اللّحوم الحمراء بشكل صادم، بنسبة تراوحت ما بين 250 و300% في العامَيْن الماضيَيْن. ووصل سعر الكيلوغرام إلى ما بين 22 و28 دولارًا، وهو مستوى يتجاوز قدرة معظم الأسر، بينما سعر كيلوغرام الدّجاج، الّذي شكّلَ ملاذًا عند ذوي الدّخل المحدود في السّابق، فقد بلغ اليوم 10 دولارات.

أمّا الخضار، أساس الموائد الرمضانيّة والصّوم الكبير، فتسلك المسار عينه. إذ أدّى تراجع الإنتاج المحليّ بنسبة 50 إلى 70%، نتيجة انعدام الأمن في المناطق الزراعيّة الحدوديّة، إلى ارتفاع أسعار الطّماطم، والخيار، والخسّ، والفجل، واللّيمون الحامض ما بين 150 و250%.

“اعتدنا تحضير الفتّوش في الماضي، في كل مساء تقريبًا. أمّا اليوم، فنحضّره مرّةً في الأسبوع، عندما تسنح الظّروف”، تشرح ريما، أمّ لأطفال ثلاثة. لقد تحوّل الفتّوش، مقياس هذا الانهيار، إلى رفاهية. وأصبحنا نزن كل مكوّن فيه، ونناقشه، ونستغني عنه أحيانًا. ما زال الطّبق موجودًا، لكنّ الوفرة انعدمت.

حتّى الحلويات الرمضانيّة أصبحت نادرةً. “يعادل اليوم ثمن صينيّة من القطايف أجر يوم كامل”، يقول حلوانيّ من مرجعيون. ينظر الزّبائن إلى الحلوى، ويسألون عن السّعر، ثمّ يغادرون.

الصّوم الكبير: امتناع أم إكراه؟

بحسب التّقاليد، يتميّز الصّوم في القرى المسيحيّة الجنوبيّة بالامتناع عن تناول اللّحوم، ومشتقّات الحليب، والاكتفاء بأطباق ترتكز على البقوليّات. أمّا التّقوى هذا العام، فتصطدم بحرمان قسريّ. “من المفترض أن يشكّل الصّوم زمن تجرّد طوعيّ، لكنّ الأزمة تفرضه علينا هذه السّنة”، يقول نادر، من سكّان دير ميماس.

تكشف دراسة جمعيةٍ محليّةٍ في النبطيّة أنّ سلّة العائلة المتوسّطة الغذائيّة تفوق اليوم ثلاثة أضعاف الحدّ الأدنى الرسميّ للأجور، المحدّد بنحو 300 دولار.

في مواجهة هذا الانفلات، عزّزت بلديّتا النبطيّة ومرجعيون الرّقابة، لا سيّما على محال بيع اللّحوم وأسواق الخضار، وحرّرت محاضر ضبط بسبب عدم انتظام الأسعار. غير أنّ فعّالية هذه الإجراءات تبقى هزيلةً في مواجهة تضخّم بنيويّ.

القرى المختلطة: أشكال من التكيّف المتبادل

في القرى الّتي تتقاسم فيها المآذن والأجراس الأفق، يذوب الفاصل بين رمضان والصّوم الكبير، فيغدو كلاهما وجهًا واحدًا من التحمّل. يبقى الصّوم في البيوت المسيحيّة، زمنًا عنوانه التقشّف والعودة إلى الأساس. “إنّه عودة إلى الصّمت والمحبّة”، تقول تيريز من مرجعيون. والتكيّف متبادل. “نُعدّل قوائم الطّعام حين ندعو جيراننا المسيحيّين”، تقول فاديا من الخيام.

توزّع الرّعايا والمساجد سلالًا غذائيّة من دون أي تمييز، في محاولةٍ لمواجهة الازدياد الهائل في طلب المساعدة. “ارتفع معدّل طلبات المساعدة هذا العام”، يُشير مسؤول في جمعيّة محليّة. ويبقى تبادل الأطباق بين الجيران، كتقليد عريق، لكنّ الكميّات تقلّصت.

آخر فعل إيمان

في منطقةٍ تبقى أنشطتها الاقتصاديّة هشّة، وأمنها مضطّرب، يصادف رمضان والصّوم الكبير في مناخٍ من عدم اليقين. “يساعدنا الإيمان على الصّمود”، يقول علي. “لكنّ المشكلة تبقى في محتوى أطباقنا”.
في جنوب لبنان، لم يعدِ الصّيام مجرّد طقس دينيّ. إنّه طريقة لمقاومة الانهيار. ولم يعدِ التّماسك رمزًا؛ إنّه فعل بقاء أخير، وربّما، في نهاية هذا العذاب الطّويل، فعل الإيمان الحقيقيّ الوحيد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us